جبر الله صابون بشير – كاتب
يحكي أن شاباً مصرياً كان يستغل أحد قطارات الريف المتجهة إلى القاهرة، كان يجلس بجانبه رجلاً بسيطاً من أهل الريف (فلاح) يرتدي جلباباً متواضعاً؛ وبين قدميه كيس قديم مربوط بإحكام.. بدا الكيس عادياً، لكن سلوك الرجل نحوه – نحو الكيس – أثار فضول الشاب!… فكل ربع ساعة تقريباً كان الفلاح يقوم بهز الكيس بقوه، يُقلّبه ثم يعيده بين قدميه بهدؤ !.. و تكرر الأمر مراراً مما دفع الشاب إلى سؤاله بلطف : يا عم أيه قصة الكيس ده؟ وليه بتهزه كده كل شوية؟!.. إبتسم الرجل بهدؤ مجيباً : فيه فئران و جرزان إصطدتها من الحقل و رايح أبيعها للمركز القومي للبحوث!.. بس لو سبتهم في هدوء هيتعاونوا و يقرضوا الكيس و يهربوا.. علشان كده لازم كل شويه أهزه فيفتكروا إن في خطر، و يبدأوا يتخانقو (يتشاجروا) مع بعض و ينسوا أنهم يقدروا يهربوا!!.
سكت الشاب مندهشاً من هذا المنطق البسيط والعميق !.
هذا الفلاح لخص فلسفة كاملة في كيس!!
و هكذا الأمر في بلداننا في العالم الثالث.. كلما فكرنا في إستقرار تهزنا أزمة جديدة.. حروب، و فتن و أزمات، فننشغل بالصراع مع بعضنا البعض؛ و ننسى من يمسك بخيوط اللعبة.. من يهز كيسنا – أقصد بلدنا ؟!.
من هم اللذين يهزون الكيس في السودان؟.. وكيف لهم فعل ذلك؟.
يجب علينا أولاً إدراك و معرفة أن ما يجري في السودان الآن هو حرب بالوكالة، حربٌ لتفتيت السودان و تبرير للتدخلات الخارجية بإدعاء رعاية حقوق الإنسان و حفظ الأمن و السلم الدوليين.
و هنالك أطراف خارجية؛ دول ذات أطماع إقتصادية في ثروات البلاد الطبيعية، من ثروة حيوانية و زراعية و معدنية.
وهذه الأطراف الخارجية تستغل أطراف داخلية، من كتل سياسية و أحزاب و نخب سياسية سودانية لها أطماع ذاتية ضيقه، وهذه الأطراف الداخلية تستغل الجهل و هشاشة بنية الدولة المدنية ذات الهوية القومية الواحدة، وتفشي النزعة الجهوية والعشائرية و الطائفية السياسية لتحقيق أهدافها.
و منذ الإستقلال فشلت الأحزاب و التيارات السياسية بكل مدارسها الفكرية (الرأسمالية – الإشتركية – الإسلام السياسي) فشلت في بناء مشروع سياسي للدولة السودانية لمواجهة التحديات و بناء دولة المواطنة؛ المتساوية في الحقوق والواجبات و وضع دستور دائم حاكم للدولة المدنية.
إن الخروج من هذا المأزق و الأفق المسدود، هو الوعي و العلم وبذل الجهد، ودراسة خصائص و ثقافة المجتمع السوداني و البنية الإجتماعية للشعب السوداني..
و للحديث بقية،،،
