أحمد إسحق أبكر – قيادي بحركة جيش تحرير السودان
في مثل هذا اليوم قبل 24 عاماً، لم يكن الصباح حينها عادياً… كان صوت الإنفجار الأول أقوى من جرس المنبه، وأصدق من بيانات نُخب المركز السلطوي.
في فجر الأول من أغسطس 2001م، وُلدت حركة/ جيش تحرير السودان SLM/A من رحم القهر..
خرجت كالبركان من خاصرة إقليم دارفور، تهدر دون أن تطلب إذناً من أحد، وتعلن أن صمت الظلم والتهميش قد إنكسر، وأن زمن الإنكسار قد ولّى إلى غير رجعة..
إنطلقت رصاصة الثورة الأولى لتصنع التاريخ، لا لتقتل.
رفرفت رايات التحرير العريض على ترابٍ إرتوى بدماء شهدائنا الأبرار، فأنبتت كرامةً وحريةً وعزة..
فهي ليست ذكرى… بل هي عهدٌ والتزام..
وليست مناسبة… بل اختبار للذاكرة، لمن بقوا أو غادروا، لمن صمدوا أو خانوا العهود..
ونحن ها هنا باقون على العهد، نحمل مشعل الثورة، لا نرجو سلطةً بلا عدالة، ولا نهادن أعداء مبادئ ثورتنا..
في ذكرى هذا الميلاد المجيد، نُرسل التحية لشهدائنا الأبرار، الذين كتبوا بيان الثورة الأول بدمائهم لا بالحبر..
سقطوا في الميدان شهداء، لكنهم وقفوا في ضميرنا خالدين، يصححون مسارنا كلما اعوجّت لنا معالم الطريق..
تحية الثورة والنضال…
إلى الذين ما زالوا قابضين على الزناد في متاريس الشرف والكرامة، وإلى كل من حمل السلاح لا للقتل، بل ليمنع القتل..
إلى النساء اللائي ولدن أبناء الثورة وربطن الأحزمة بدلًا من الأساور…
إلى الأطفال الذين نشأوا على وقع الانفجارات لا الأغاني.
وإلى من رفضوا بيع دماء الشهداء في أسواق الإبتزاز السياسي.. وإلى من يقفون اليوم على حافة النار…
الخامس عشر من أبريل 2023م لم يكن مجرد محاولة انقلاب دموي من مليشيا الجنجويد وكفلائهم من دول الشّر، بل كان إعلان حرب على جميع ابناء الشعب السوداني الحر.. كانت هجمة غادرة نفذتها مليشيا آل دقلو الإرهابية، طامعةً في حكم لا تعرفه صناديق الإنتخاب ولا لغة الدستور، بل عبر فوهة سلاحه الموجّه إلى صدور أبناء الشعب السوداني..
من الخرطوم إلى الجنينة، ومن نيالا إلى الفاشر، إجتاحت عصابات المليشيا المدن بقذائف الحقد والغل، ومارست القتل الجماعي، والسحل في الطرقات، والاغتصاب كأداة حرب، وهذا ما تربّوا ونشأوا عليه منذ قديم الزمان..
وفي الجنينة، سُحقت كرامة الإنسان على يد مليشيا همجية… لم تكن حرباً فقط، بل كانت إبادةً وتطهيراً عرقياً لشعبنا المساليت، حيث إرتكبت فيهم عصابات المليشيا الإرهابية المجازر على مرأى ومسمع العالم..
بيوت أُحرقت، نساءٌ اغتُصبن، شيوخٌ أُعدموا، وأطفالٌ قُتلوا على هوية أسمائهم وقبائلهم.
وفي الفاشر السلطان آداب العاصي تُحاصر المليشيا مواطني المدينة منذ أكثر من عامين، وتُقصف يوميًا بآلالاف من القذائف، وكأنّ المليشيا قد قررت أن تمحو مدينة السلطان من الوجود…
لكنّها لم ولن تستطيع أن تمحو إرادة أهلها الصامدين الصابرين..
لكننا نعلم، ويعلم هؤلاء الأوباش، أن الحق لا يُهزم، وأنهم مهما تفرعنوا، ومهما غرّهم صمت المجتمع الدولي، فهم إلى زوال لا محالة..
وأن التاريخ لا يرحم القتلة مطلقاً، حتى وإن ألبسوهم البدلات وربطوا أعناقهم بالألقاب..
فكل رصاصة أُطلقت على الأبرياء، ستعود في ذاكرة الأجيال كحكم إدانة نهائي لا يُستأنف أبدًا.
أيها الخائنون…
يا من بعتم وجوهكم للجلاد، وبقايا أهلنا للمزاد…
اعلموا أن الشعوب لا تنسى، وأن التاريخ لا يغفر..
قد تسكت أصوات البنادق حينًا، لكن صرخة أم الشهيد لا تموت.
يا أبناء وبنات دارفور، وكل أرض السودان…
كونوا كما عهدناكم، جدراناً لا تشقّها خيانة، وسواعد لا تنكسر.
فالثورات المبنية على المبادئ ليست لحظية، بل هي نمط حياة للثوار الأحرار.. فهي ليست بندقية فقط، بل هي وعي، وكرامة، وحقّ لا يُقايَض.
فلكم المجد يا شهداء الثورة الأبرار، ولكم الخلود يا من فاضت أرواحكم الطاهرة لكي نحيا..
سنظل نحفر أسماءكم في الصخر، وسنروي أرضكم بالوعد والعهد.
وإن متنا، فليبقَ خلفنا صوت الثورة عالياً “نموت كي يحيا الوطن… نموت واقفين… ولن نركع..”
