ميعاد مبارك – القدس العربي
الخرطوم ـ «القدس العربي»: كشفت تصريحات للقيادية في قوى «الحرية والتغيير» ونائبة رئيس حزب الأمة، مريم الصادق المهدي، بوجود مقترح لتشكيل حكومة تسيير أعمال، عن تناقضات داخل التحالف، وسط استمرار الغموض في موقف الجيش و«الدعم السريع» من العملية السياسية الجارية، في ظل تباعد مواقفهما وتصاعد التوترات بينهما.
وأكد القيادي في «الحرية والتغيير» شهاب الدين إبراهيم، لـ «القدس العربي» أن الحرية والتغيير لم تتداول حول تشكيل أي حكومة، قبل إكمال الورش الخاصة بالقضايا الخمس المؤجلة من الاتفاق الإطاري، وتضمينها في الدستور الانتقالي، مشيراً إلى أن أي تأجيل للقضايا لن يكون في مصلحة العملية السياسية.
وأشار إلى أن الترتيبات جارية لإكمال الورشتين المتبقيتين، واللتين تنطلق أولاهما الخاصة بالعدالة والعدالة الانتقالية، السبت، في أقاليم البلاد الستة، وصولا لانعقاد مؤتمر جامع بالخصوص منتصف الشهر الجاري في الخرطوم.
وبين أن من المقرر أن تليها الورشة الخاصة بالإصلاح الأمني والعسكري، التي يجري النقاش حولها مع الأطراف العسكرية.
وكان الاتفاق الإطاري الموقع في 5 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، قد أحال خمس قضايا للمرحلة النهائية من العملية السياسية الجارية في البلاد، اكتملت أعمال ثلاث منها ضمن ورش نسقتها الآلية الدولية الثلاثية المكونة من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وإيغاد، ومشاركة أطراف الاتفاق الإطاري والأطراف غير موقعة على الاتفاق، شملت تفكيك النظام السابق وتقييم اتفاق السلام ووضع خريطة طريق لحل أزمة شرق السودان، والتي من المنتظر تضمين مخرجاتها في الدستور الانتقالي للبلاد.
بالنسبة لورشة الإصلاح الأمني والعسكري، شدد إبراهيم على أنه «لا بد أن تتم بمشاركة العسكر» مبيناً أن «النقاشات جارية معهم بالخصوص».
وأشار إلى أن «العسكر طالما وقعوا على الاتفاق الإطاري فهم ملزمون بالمشاركة في الورشة، التي ستناقش إصلاح القوات النظامية ودمج وتسريح المجموعات المسلحة في جيش موحد، والتي ستنعقد قريبا ويليها توقيع الاتفاق النهائي وتشكيل الحكومة الانتقالية».
وقال إن «اجتماع المكونات المدنية الموقعة على الاتفاق الإطاري، مع العسكر الأسبوع قبل الماضي، كان الغرض منه تهدئة التراشق الإعلامي بين الجيش والدعم السريع» مشيرا إلى «ضرورة التهدئة بين الجانبين للوصول إلى اتفاق نهائي».
وأضاف: «حدثت تهدئة إلى حدٍ ما بين الجانبين» مشددا على أن «الأطراف العسكرية يجب أن تتحمل مسؤوليتها حتى لا تقود البلاد إلى المواجهة». ولفت إلى أن «التحديات التي أدت إلى تأخير الوصول للاتفاق النهائي متعلقة بمحاولات النظام السابق والدولة العميقة تغذية الصراع بين الجيش والدعم السريع، وأنهم يريدون إيصالهم للمواجهة، الأمر الذي سيشكل خطورة كبيرة على البلاد».
ويتناقض حديث إبراهيم حول عدم التداول في تشكيل أي حكومة مع تصريحات المهدي التي أشارت إلى «وجود مقترح لتشكيل حكومة تسيير أعمال لإدارة البلاد في الفترة المقبلة، في ظل تشابك الأزمات».
وقالت في تصريحات متلفزة إن «التحالف يجب أن ينظر في مقترح تشكيل حكومة تصريف أعمال في ظل تطاول أمد العملية السياسية الجارية في البلاد والوصول إلى اتفاق نهائي».
وأشارت إلى «ضرورة النظر» في ما وصفتها بـ»البدائل الموضوعية» مضيفة: «هناك مقترح لم نبحثه بعد، يتعلق بتشكيل حكومة تسيير أعمال» مشيرة إلى أنهم «يعملون بجد لجهة إدراكهم أهميتها، في وقت يعاني السودان من تباعد المجتمع الدولي وتجميد عضويته في الاتحاد الأفريقي، فضلاً عن تردي الأوضاع الاقتصادية في البلاد».
وأشارت إلى أنهم «سعوا لإعلان الحكومة الانتقالية» في مارس/ آذار الجاري، لكنها أشارت إلى «وجود تحديات ضاعفتها التراشقات الإعلامية بين قائد الجيش عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو (حميدتي) قبل أن تقر بوجود توتر بين القائدين العسكريين» غير أنها أوضحت أنهما أعلنا التزامهما بالاتفاق الإطاري.
وكشفت عن أن «الحرية والتغيير وحزب الأمة ومجموعات قبلية تقود وساطة لتقريب وجهات النظر بين القادة العسكريين».
كما تحدثت عن «تقديمهم رؤية إلى قائدي الجيش والدعم السريع يمكن أن تكون محل إجماع أو تلاق بينهما، تتعلق بالجوانب الفنية في قضية الإصلاح العسكري مثل السيطرة والقيادة». ومنذ عدة أسابيع دخل قادة الجيش و«الدعم السريع» في ملاسنات، بسبب خلافات في ملفات عديدة داخلية وخارجية وتتعلق بالدمج، ومع ذلك ظهر البرهان و«حميدتي» ليل الخميس سويا في مناسبة اجتماعية للمرة الأولى منذ بدء التوترات بينهما.
استمرار تباعد مواقف الجيش و«الدعم السريع» من العملية السياسية
والثلاثاء الماضي، شدد «حميدتي» في خطاب وجهه لقواته على أن «خلافهم ليس مع الجيش، وإنما مع المتمسكين بالسُّلطة» فيما بدا أنها إشارة إلى زملائه العسكريين في المجلس السيادي، بينما فاقم بيان للجيش، أمس الجمعة، المخاوف من اندلاع مواجهات مسلحة بين الطرفين، حيث نفى البيان بشكل مبطن (عدم دخول قوات عسكرية للعاصمة السودانية الخرطوم) فيما بدا أنه تأكيد للتقارير التي أشارت إلى دخول أرتال من قوات «الدعم السريع» إلى الخرطوم قادمة من الولايات في الأيام الماضية.
وأكد حزب «الأمة القومي» ضرورة تشكيل حكومة مدنية، بأسرع وقت لملء الفراغ الذي تعيشه البلاد.
ورحب المكتب السياسي للحزب في بيان بـ«انطلاق ورش العدالة الانتقالية» مشيراً إلى «ضرورة أن تلبي الأهداف الرئيسة لانعقادها بما يشمل المستهدفين والمشاركين ومواقع عقدها والأحداث التي تغطيها».
كما أكد «موقفه الثابت بضرورة وجود جيش وطني واحد بعد دمج كل القوات الأخرى وفق ما أتفق عليه في الاتفاق الإطاري الموقع بين الأطراف، ووفق الترتيبات التي يتفق عليها في لجنة الإصلاح الأمني والعسكري» لافتا إلى أنه «على قيادة هذه القوات عدم الالتفات لمن وصفهم بمثيري الفتن والتحلي بالشجاعة الكاملة مثلما حدث أثناء التفاوض على الاتفاق الإطاري، والمضي قدما في إكمال ما بدأوه تقديرا للحالة العامة للوطن والمواطن وحفظا للتعهدات التي تمت».
ورأى أن «تأخر سير العملية السياسية والفراغ الحكومي وتطاوله تسبب في زيادة معاناة المواطنين خصوصا بعد الزيادات غير الواقعية التي تفرضها وزارة المالية دون مراعاة لعرف أو قانون، مما أحال الحياة إلى جحيم لا يطاق» داعياً (الجميع) لتحمل مسؤوليتهم تجاه «حقوق المستضعفين وذوي الدخل المحدود والنسبة المتزايدة للفقر والفقراء».
ويعتقد خبراء أن الحديث عن حكومة تسيير أعمال يأتي في سياق تواصل أمد الأزمة السياسية في البلاد، والحاجة الماسة لاستئناف التعاون الدولي فيما يتعلق بالمساعدات الإنسانية بما في ذلك عملية إعفاء الديون.
وقال أستاذ العلوم السياسية في جامعة النيلين، مصعب محمد علي لـ «القدس العربي»: «أعتقد أن تصريح مريم الصادق المهدي يمكن أن يقرأ في سياق استعجال الأطراف السياسية في البلاد لتكوين حكومة تصريف أعمال قبل نهاية شهر مارس/ آذار الحالي، لأن ذلك مرتبط بالعديد من الالتزامات الخارجية التي تتطلب أن تكون هناك حكومة مدنية في أسرع وقت».
وأضاف: «أيضاً التصريح يمكن قراءته في سياق التوترات التي تتناقلها وسائل الإعلام بين المكونات العسكرية التي أعتقد أن تباين المواقف حول الاتفاق الإطاري واحد من أسبابها، لذلك قد تكون الأطراف السياسية أدركت أن اكتمال العملية السياسية ربما ياخذ وقتا ليس بالقصير ولا بد من تكوين حكومة إلى حين إتمام الاتفاق النهائي». ورأى أن «خطوة تكوين حكومة تصريف أعمال في حال جاءت باتفاق الأطراف هي خطوة جيدة وتمهل الفاعلين السياسيين فترة من الزمن دون تأثير الضغوط الخارجية التي تعطل الاتفاق السياسي». وبالتالي، حسب علي «تكوين الحكومة يمكن أن يعالج العديد من الأزمات الموجودة، خصوصا وأن البلاد مقبلة على موسم زراعي بالإضافة للأزمة الاقتصادية الحالية».
وزاد: «الوضع الداخلي يتطلب وجود حكومة تصريف أعمال لها مهام محددة إلى حين توافق الأطراف، وكذلك السياسة الخارجية، لأن العديد من ملفات الدعم وفك عزلة السودان خارجيا مرتبط بإعلان حكومة مدنية».
ويمكن قراءة تضارب التصريحات بين قادة «الحرية والتغيير» وفق علي في «إطار التباين بين مكونات التحالف» مضيفا أنه «من الواضح أن هناك اختلافا بينها حول تشكيل حكومة تصريف الأعمال، الأمر الذي قد يؤخر تشكيلها أيضا في ظل هذه التباينات».
في حين رجح المحلل السياسي أمين مجذوب في حديثه لـ«القدس العربي» «عدم نجاح مقترح تشكيل حكومة تسيير الأعمال» مشيرا إلى أن «الحكومة الحالية المكلفة منذ الانقلاب، هي بالأساس حكومة تصريف أعمال».
وأضاف: أنه «إذا حدثت أي خطوة في اتجاه تشكيل حكومة تسيير جديدة فهي تحايل على فشل الاتفاق الاطاري» على حد قوله، لافتا إلى «أهمية إكمال الاتفاق وأن يفضي إلى تشكيل حكومة مدنية كاملة وتعديل هياكل الدولة والمفوضيات، الأمر الذي سيعيد السودان للمجتمع الدولي وليس تشكيل حكومة تصريف الأعمال».
وشدد على أن «التحدي الراهن هو إزالة الخلاف بين قائد الجيش وقائد الدعم السريع، والمضي في الاتفاق إلى نهايته حتى لا تنزلق البلاد إلى أتون الصراع وفشل الدولة».
