ثورة ديسمبر المختلفة

بقلم د.مصطفى محمد علي

القارئ للتاريخ السوداني عبر حقبه الحديثه في فترة مابعد الاستعمار، يلاحظ ان المشاهد مكررة و يعيد التاريخ نفسه بحسب ماركس، مرة كمأساة ومرة أخرى كمهزلة ، الخاسر الأكبر فيها الديمقراطية، ترك الاستعمار كحال جميع البلدان في حقبة مابعد الاستعمار بخيال وافق محدودين، يتحرك في المشهد السوداني منذ الاستقلال قوى تعيد إنتاج نفسها عبر الحقب بسيناريوهات باتت ترقى لدرجة الكليشهات، ديمقراطية مهزوزة تتنازعها بيوتات افندية ورثت الاستعمار بالامتيازات والتعليم، تحرسها قوة دفاع السودان، التي باتت تعرف حديثا بالجيش السوداني، حكومة مركزية تستاثر السلطة والثروة،وتعمل كقوة طرد مركزي عملاقة تلفظ كل ماهو هامشي وطرفي إلى الخارج،وتبقي شروط اللعبة والممارسة وفق ما يأتي على اهوائها وامزجة قادتها ، دائرة الانقلابات التي تسبقها ديمقراطية مهزوزة وضعيفة، تمثل موجز التاريخ السوداني الحديث.

طريق الثورة الجديد :
انقلاب الجبهة الإسلامية في اواخر الثمانينات، ويا للمفارقة العجيبة، حمل في طياته – بغير وعي – بذرة فناء السودان القديم، السودان الذي يقوده ويرسم تطلعاته فئة مدنية صنع خيالها المستعمر، تعليما وسلوكا وممارسة، عبر مؤسسات الاستعمار المغروسة ، وبقوة ، أعني غردون والكلية الحربية، جاء الاسلاميين بايدلوجيا رسمت مسارا مختلفا لتاريخ هوامش السودان المختلفة، كانت المتناقضات قد وصلت مداها الاخير عندما قررت الجبهة الإسلامية بسط سيطرتها وفرض ايدلوجيتها الاحادية عن طريق الحرب، حرب ضروس قادت إلى تصدع في منظومتها اولا قبل كل شئ.

عمل الاسلاميين على تفكيك مؤسسات الاستعمار عبر عدة مراحل قادت في النهاية إلى تمركز وتموضع لاعبين جدد، تفكيك الجيش عبر صنع تنظيمات موازية مثل مليشيا الدفاع الشعبي الجهادية،قاد إلى اضعاف قبضة الجيش على المدى الزمني الطويل، لم يكن من السهل في ظل ظروف عادية، واعني بالعادية وفق شروط المنطقة، التي اندلعت فيها ثورات الربيع العربي وسرعان ماعاد شبح الدولة القديم بصورة اكثر بشاعة ، ليس من السهل ان تنتصر ثورة شعبية على طريقة ثورات العالم القديم بالمفهوم الماركسي ، التي يتحطم فيها جهاز الدولة القديم وتصعد طبقة جديدة تستلم الدفة وتصنع لنفسها خيال وافق جديدين، عمل الاسلاميين أيضا على إنتاج نموذج جديد يكسر احتكار النخبة الغردونية عن طريق ثورة التعليم العالي عن طريق التوسع الافقي في حوض التعليم ، رغم ان الغرض الاساسي لهذه الهندسة التعليمية كان بغرض إنتاج بؤر للتعبئة ومراكز توسعة لقاعدة الأمن الشعبي السلطوية في مشروعها القتالي – ساعود في مقال اكثر تفصيلا – الا انها دفعت بإعداد مقدرة من أبناء الهامش نحو حوض التعليم، و رفعت بصورة نسبية من وعيها بقضاياها، كما شكلت قواعد سياسية اتاحت لتنظيماتها المسلحة ان تعرض مشروعها وتقارع النظام الإسلامي من الداخل .
عندما كنت اتجول في شوارع القيادة العامة مزهوا بانتصار الارادة الشعبية، استمعت إلى بيان تنحي البشير وانا غير مصدق، انتصرت ارادة الجماهير وانتهى عصر الظلام، كان المشهد يوتيوبيا اكثر من اللازم، ثمالة من غير خمر، الاناشيد الثورية والمواكب والاحتفالات وخطابات رومانسية من عصور ثورات قديمة، ثورات العمال والمسحوقين، رغم ذلك كان لابد من ذلك السؤال الذي يجب أن يطرح، ماذا نريد؟ تسائلت وانا مدرك لحجم المعضلة التاريخية التي تقبع خلف ثورة ديسمبر، هل سيعاد إنتاج نفس القديم في قناني جديدة؟ ما هو شكل الجديد الذي ستطرحه ثورة ديسمبر؟

مايميز هذه الثورة بعد خمس سنوات من اندلاعها، انها انتجت شروط صراع ولاعبين مختلفة تماما عن باقي حقب الثورات النخبوية من تاريخ السودان، حملت في طياتها تنظيمات غريبة عن خيال المدينة ولغتها وخطابها، صعد فيه الهامش بتنظيماته المسلحة وواجهاته المختلفة إلى قلب السلطة وباتت تتجول في سرايا غردون في مشهد غير مألوف ، تتصارع هذه الواجهات في قلب الخرطوم في عمليات مد وجزر واخضاع شديدة، بعد ثورة سقوط البشير في أبريل 2019، تعقدت المشاهد على القارئ للمشهد السوداني، الذي اعتاد على سردية بسيطة، حكومة دكتاتورية تسقطها ثورة شعبية مدعومة من قيادات الجيش التي تنحاز للمواطنين في نهاية المطاف ‘مواطني الخرطوم’، تتشكل بعدها حكومة – تكنوقراط- ،’لدي حساسية مفرطة من هذه الكلمة بالمناسبة’.
لم يمضي الكثير من الوقت بعد الثورة حتى انقلبت المدينة على الوافدين الجدد، ضاقت المواعين السلطوية على حاملي السلاح من الهامش ، لم تستطيع أحزاب الافندية التكيف على الوضع الجديد، انتهت في آخر أيام قبل انقلاب قائد الجيش، في 25 أكتوبر، إذ صرّح قيادي يشغل موقعا حساسا في جهاز الدولة في الفترة الانتقالية عندما قال عبر الميكرفون في جمع غفير “ديل مابشبهونا”.
تحمل الحركات المسلحة عبر التاريخ ، مشاكل بنيوية عقب انتهاء مهمتها بإسقاط الانظمة او الانتصار ، تفشل عملية التكييف مع خطاب ولغة المدينة، إنتاج الخطاب السياسي وممارسة اللعبة بعيدا عما ألفته في الميادين والاحراش والبنادق، في سودان مابعد الكفاح المسلح، تطل هذه المعضلة بطريقة أشد شراسة وتعقيدا، عن طريق خطاب المدينة المعادي، بجيوش جرارة عبر المنصات المختلفة، التي تضعها في خانة العدو الأول، هذه الخطابات العدائية والبروباغندا الدعائية، ستقطع الطريق مستقبلا إلى فعل السياسة، بكل ماتحمله الكلمة من معنى، ستنتهي دمقرطة هذه التنظيمات وإنجاز مهام تحولها إلى مؤسسات مدنية تعمل وفق ماهو مطلوب منها في دورها السياسي والحزبي ، الآن، فلتنتهي الحرب ولتعمل السياسة .

سودانحرديمقراطي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *