في حوار مع قناة «TRT عربي» من العاصمة الإدارية المؤقتة بورتسودان، قال وزير المالية والتخطيط الاقتصادي د. جبريل إبراهيم محمد إن ما يجري في السودان يمثل حربًا ممنهجة استهدفت القتل والتشريد وتدمير البنية التحتية في مختلف المناطق، مؤكدًا أن ما حدث في دارفور والجزيرة وسنار والنيل الأبيض والخرطوم يندرج ضمن سياق واحد من العنف المنظم.
وأوضح إبراهيم أن الجرائم بدأت بصورة بشعة في الجنينة، قبل أن تمتد إلى نيالا وأجزاء واسعة من إقليم دارفور، مشيرًا إلى أن الاستهداف تم على أسس إثنية في كثير من الحالات، في وقت فشل فيه المجتمع الدولي في اتخاذ خطوات عملية، رغم صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم ٢٧٣٦، الذي لم يُفعّل على أرض الواقع.
وأشار وزير المالية إلى أن الحرب، رغم مآسيها، أسهمت في توحيد الوجدان السوداني بدرجة كبيرة، حيث التفت الجماهير حول القوات المسلحة السودانية والقوات المساندة، وانكشفت — على حد تعبيره — الطبيعة الحقيقية لمليشيا الدعم السريع، مؤكدًا أن غالبية السودانيين باتوا يرفضون أي إمكانية للتعايش معها مستقبلًا أو إشراكها في المشهدين السياسي أو الأمني.
وفي ما يتعلق بخريطة السيطرة العسكرية، قال إبراهيم إن المشهد الميداني تغيّر مقارنة بالعام الماضي، موضحًا أن المليشيا كانت تسيطر على مساحات واسعة في الجزيرة وسنار والنيل الأبيض والعاصمة، بل حاولت التمدد نحو ولاية القضارف، قبل أن يتم دفعها غربًا. وأرجع ذلك إلى سعيها للاقتراب من خطوط الإمداد عبر الحدود مع تشاد وأفريقيا الوسطى، ومصادر التجنيد والدعم البشري.
وأكد أن الأزمة الإنسانية التي خلفتها الحرب تُعد من الأسوأ في التاريخ الحديث، مع تجاوز أعداد النازحين ١٢ مليون شخص، إضافة إلى أكثر من مليوني لاجئ خارج البلاد، لكنه شدد على أن المجتمع السوداني أظهر تماسكًا لافتًا من خلال ثقافة التكافل الاجتماعي، حيث استضافت الأسر السودانية النازحين رغم أوضاعها الاقتصادية الصعبة.
وفي الشأن السياسي، شدد إبراهيم على أن مليشيا الدعم السريع تمثل فصيلًا متمردًا على القوات المسلحة السودانية، معتبرًا أن الأصل في مثل هذه الحالات هو الحسم العسكري، وليس التفاوض، مشيرًا إلى أن استمرار الحرب يعود إلى الدعم الخارجي الكبير الذي تتلقاه المليشيا، واصفًا إياها بأنها أداة لتنفيذ مخطط خارجي يستهدف إعادة تشكيل السودان ضمن مشروع إقليمي أوسع.
وأضاف أن الحوار السوداني لم يتوقف رغم الحرب، إلا أن الصراع فرض على القوى السياسية مراجعة مواقفها، في ظل فشل محاولات الإقصاء واحتكار الحقيقة، لافتًا إلى أن الرأي العام بات أكثر وعيًا بدور النخب السياسية في الوصول إلى الوضع الراهن.
وعلى الصعيد الاقتصادي، قال وزير المالية إن من أشعلوا الحرب كانوا يراهنون على انهيار الاقتصاد ثم المؤسسة العسكرية، غير أن ذلك لم يحدث، موضحًا أن الاقتصاد السوداني يستند في جوهره إلى الإنتاج الأهلي في الزراعة والثروة الحيوانية، ما منحه قدرًا من الصمود رغم الحرب.
وفي ما يتعلق بملف الذهب، أوضح إبراهيم أن السودان يُعد من أكبر منتجي الذهب في أفريقيا، مشيرًا إلى أن صادرات الذهب الرسمية في عام ٢٠٢٤ تجاوزت ١.٥ مليار دولار، رغم تهريب كميات كبيرة، حيث يُقدّر الإنتاج السنوي بنحو ٦٥ طنًا، صُدّر منها رسميًا نحو ١٩ طنًا فقط، لافتًا إلى أن أكثر من ٨٠٪ من الإنتاج يتم عبر التعدين الأهلي، ما يصعّب الرقابة والإحاطة الكاملة.
واختتم وزير المالية حديثه بالتأكيد على أن السودان، رغم الجراح، يمتلك مقومات النهوض، وأن تجاوز الأزمة الراهنة يتطلب وحدة الإرادة الوطنية، ومواجهة جذور الحرب، وبناء دولة أكثر تماسكًا وعدالة
