محرقة الفاشر: يوم تجمّدت فيه الدموع وانكشفت وحشية الجنجويد

حسين بَقَيرة-المملكة المتحدة

ظنّ كثيرون أن حرب الشعب السوداني مع مليشيا الجنجويد الارهابية هي حرب بين الإنسان والإنسان، لكن كما قلنا مرارًا الجنجويد ليسوا من البشر، بل هم شياطين ورُسل الشر في هياكل بشرية، بل إن الشيطان ليخجل من أفعالهم. وقد تأكد ذلك جليًا في محرقة مدينة الفاشر في 27/10/2025.

فقد قُتل المدنيون العُزّل في الفاشر بطرق متعددة، بدأت بالقصف العشوائي، ثم الحصار الذي استمر عامًا ونصف، مرورًا بالتجويع المتعمّد عبر منع دخول الغذاء والدواء ومنع المنظمات الإنسانية من الوصول، حتى اضطُر الناس لتناول أمباز الزيوت وبقايا الجلود اتقاءً للموت جوعًا. وأخيرًا جاءت مرحلة التصفية الجسدية الممنهجة التي ارتُكبت خلالها جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وجرائم الحرب، فسقط أعزّ ما نملك من أشجع أبناء وبنات السودان. هؤلاء الشهداء تاجٌ يعلو رؤوس ملايين السودانيين.

لقد سُجّل 27/10/2025 في صفحات التاريخ باعتباره يوم محرقة الفاشر، على مرأى ومسمع من عالم أدار ظهره للإنسانية وتجاهل النداءات المتكررة لإنقاذ أهل الفاشر. وهكذا أصبحت بعض الدول و وفي مقدمتها الولايات المتحدة و المملكة المتحدة و الاتحاد الأوروبي شريكة في الجرم الأخلاقي والسياسي إلى جانب الجنجويد وأعوانهم.

أثبتت المليشيا الإرهابية بأعمالها الوحشية أنها أدنى مخلوقات الأرض وأحقرها، وأنها شياطين مصّاصة للدماء، تتغذى على جثث الأطفال والنساء وكبار السن. وعندما امتلأت بطونهم، أحرقوا جثث الشهداء في الفاشر لطمس الأدلة. لكن التكنولوجيا الحديثة، وصور الأقمار الصناعية التي نشرتها جامعة ييل الأميركية، كشفت آثار الدماء وعمليات الاعدامات الجماعية لعشرات الآلاف. بل إن الجنجويد أنفسهم وثّقوا جرائمهم في فيديوهات منشورة على مواقع التواصل.

منذ محرقة الفاشر، تجمدت الأحزان وجفّت الدموع. فأي حزن يمكنه أن يصف حجم الجرم؟ وأي دمعة تستطيع أن تخفّف بشاعة المشهد؟ وكيف نبكي من خلدوا أسماءهم في التاريخ بمداد من ذهب؟ إن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، نالوا أرفع مقام، أما الجنجويد الجبناء فيرتعدون رعبًا من أفعالهم الشيطانية التي لم يشهد العصر الحديث لها مثيلًا.

ويبقى المؤكد أننا سنقتصّ حقوق الشهداء، وسيظل ثأرهم معلّقًا في أعناقنا ما دمنا أحياء. حزننا ليس ضعفًا، بل عهدٌ ألا ننسى حقوقهم، وأن دموعنا مؤجّلة إلى لحظة القصاص؛ عندها فقط ستنهمر دموع الفرح، لا الحزن. ولن يساوي شيء في الدنيا ما فقدناه في فاشر السلطان.

لن نقبل إلا باسترداد حقوق الشهداء الذين أناروا لنا الطريق. وسنواصل السير، حتى يأتي اليوم الذي نمسح فيه دموع الأيتام والأرامل والثكالى. لن نغفر… لن ننسى… ولن ننكسر مهما كلّف الأمر. فالشعب السوداني كله ملتف حول قضيته العادلة ضد الطغاة الأوغاد الجنجويد، والعالم الحر وأصحاب الضمائر الحيّة قد استيقظوا ووقفوا مع الحق في مواجهة مرتكبي الإبادة الجماعية.

ويجب محاسبة الجنجويد وأعوانهم، وفي مقدمتهم الإمارات التي شاركت في إبادة شعبنا. ستظل وحشيتهم محفورة في ذاكرة الأجيال، وقد تم توثيق جرائمهم بأحدث تقنيات الأقمار الصناعية التابعة لجامعة ييل، لتصبح في أرشيف التاريخ… ولتبقى عارًا لا يُمحى.

إن دماء شهدائنا التي سالت في الفاشر، وجثثهم التي أُحرقت بعيدًا عن حرمة الموتى بإيعاز من مخططيهم وداعميهم ( دويلة الشر)، لن تضيع. هيهات… سيُحاسَب كل من شارك في جريمة الفاشر، في الدنيا قبل الآخرة.

ويبقى شعارنا الخالد:
لن ننسى… لن نغفر… حقوق شهدائنا دينٌ في أعناقنا.

رحم الله شهداءنا وأسكنهم فسيح جناته، وعودة حميدة للمفقودين، وشفاء عاجل للجرحى والمصابين، والنصر حليف الشعب السوداني العظيم.
وسيأتي اليوم الذي يسطع فيه نور العدل، وينهزم فيه شياطين الجنجويد الذين يتحركون في هياكل آدمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *