السعودية تختار جانباً في الحرب الأهلية السودانية

انتقلت الرياض من دور الوسيط إلى دعم الطرف الذي تعارضه شريكتها الإقليمية السابقة، الإمارات.

ترجمة كاملة لمقال Responsible Statecraft

بقلم: إلفاضل إبراهيم – Elfadil Ibrahim

تاريخ المقال ٣ أبريل ٢٠٢٥ 

في الأيام الأخيرة من شهر رمضان، وأمام المسجد الحرام في مكة، ركع رئيس السودان بحكم الأمر الواقع وقائد الجيش، الفريق عبد الفتاح البرهان، يصلّي إلى جانب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. كان البرهان قد وصل إلى المملكة بعد يومين فقط من تحقيق قواته تقدماً مهماً ضد قوات الدعم السريع، باستعادة العاصمة الخرطوم بعد عامين من الحرب الأهلية.

الغائب عن المشهد كان الإمارات العربية المتحدة، القوة الخليجية التي دعمت خصوم البرهان في الحرب الأهلية السودانية بالسلاح والمرتزقة والدعم السياسي.

هذا المشهد لخصّ جوهر الخلاف المتصاعد بين السعودية والإمارات—الحليفين السابقين في رسم ملامح العالم العربي—اللذين أصبحا اليوم مهندسي رؤيتين متنافستين نحو السودان والمنطقة.

سنتان من الفوضى في السودان

اندلعت الحرب في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية (SAF) وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”. وأسفرت عن معاناة هائلة:

• تقديرات بــ 150 ألف قتيل،

• اتهامات بجرائم فظيعة من الطرفين، خصوصاً الدعم السريع في دارفور،

• 12 مليون نازح،

• وأكثر من نصف السكان يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي.

كانت الخرطوم—التي كانت يوماً رمزاً للالتقاء—تحمل جروحاً عميقة: تدمير واسع، منازل منهوبة، وشوارع مليئة بالجثث التي لم تُدفن.

وسط هذا الخراب والمكاسب العسكرية، قام البرهان برحلته عبر البحر الأحمر.

الدور السعودي في بداية الحرب

في بداية الصراع، لعبت السعودية دوراً مهماً في إجلاء آلاف الأجانب عبر ميناء بورتسودان، الأمر الذي أكسبها رصيداً كبيراً من النوايا الحسنة عالمياً. ومن ثم، وبالتعاون مع الولايات المتحدة، قادت محادثات جدة لوقف إطلاق النار في مايو 2023.

جاء ذلك متناغماً مع الاستدارة الاستراتيجية الأوسع للرياض نحو خفض التصعيد:

• التقارب مع إيران،

• التحول من دور “المعتدي” إلى “صانع السلام” في اليمن.

لكن الاضطرابات على ساحل البحر الأحمر كانت تهديداً مباشراً لـ رؤية السعودية 2030، وخاصة مشاريعها الكبرى على الساحل الغربي مثل نيوم، ومشاريع البحر الأحمر السياحية، وتوسعة ميناء ينبع لتأمين طرق تصدير لا تعتمد على مضيق هرمز.

كما أن الفوضى كانت تهدد الاستثمارات السعودية الضخمة في الأمن الغذائي داخل السودان.

ضعف الدور الأمريكي يفتح الباب للرياض

انهار مسار جدة، وذابت الالتزامات المكتوبة تحت وطأة القتال المتواصل. ثم جاء الجهد الأمريكي اللاحق في جنيف—الموجه للوصول الإنساني—لكنه فشل بسبب مشاكل الثقة بين الأطراف.

وبحلول 2025، ومع عودة الرئيس دونالد ترامب وعقيدة “أمريكا أولاً”، تم تقويض ما تبقى من الرصيد الدبلوماسي الأمريكي في السودان:

• خفضت USAID تمويلها، مما أدى إلى إغلاق 77% من مطابخ الطوارئ الغذائية في السودان.

هذا الواقع شلّ قدرة واشنطن على ممارسة الضغط والسيطرة على أطراف الحرب.

ومع انسحاب الولايات المتحدة إلى الداخل، ظهر فراغ دبلوماسي كان مغرياً جداً للسعودية لملئه.

لحظة التحول: فبراير 2025

في فبراير، أعلن الدعم السريع وحلفاؤه “ميثاق نيروبي” لتشكيل حكومة موازية.

ردّت السعودية—إلى جانب قطر والكويت—برفض قوي.

وجاء بيان الخارجية السعودية مؤكداً رفض “أي خطوات غير شرعية تُتخذ خارج مؤسسات السودان الرسمية بما يهدد وحدته.”

ثم جاءت زيارة البرهان للسعودية لتعزز هذا التموضع.

وأعلنت الدولتان عن إنشاء “مجلس تنسيق لتعزيز العلاقات”، وهو إشارة واضحة إلى انتقال السعودية من الحياد إلى الاصطفاف.

وقبل الزيارة بأيام، قام وفد سعودي رفيع المستوى بزيارة بورتسودان للتركيز على ملف إعادة الإعمار.

الإمارات تحت ضغط متصاعد

بينما تكرس السعودية دورها كقوة استقرار إقليمية، واجهت الإمارات تدقيقاً متزايداً بسبب اتهامات دعمها العسكري للدعم السريع.

في مارس 2025، رفع السودان قضية ضد الإمارات في محكمة العدل الدولية، متهماً إياها بخرق اتفاقية الإبادة الجماعية عبر دعمها العسكري والمالي والسياسي للدعم السريع؛ مما سهل ارتكاب الفظائع، خصوصاً التطهير العرقي ضد المساليت في غرب دارفور.

رفض وزير خارجية الإمارات الاتهامات واعتبر القضية “مناورة إعلامية ضعيفة”، لكنها انسجمت مع تقرير لجنة خبراء أممية وصف أدلة تورط الإمارات بأنها “موثوقة”.

ارتدادات خطيرة في واشنطن

أدى هذا الدعم إلى تداعيات سياسية كبيرة في الولايات المتحدة:

• أكد عضوا الكونغرس كريس فان هولن وسارة جاكوبس علناً—استناداً إلى إحاطات رسمية—أن الإمارات تزود الدعم السريع بالسلاح، في تناقض مباشر مع تطمينات إدارة بايدن السابقة.

• النائب غريغوري ميكس، أكبر أعضاء لجنة الشؤون الخارجية، جمّد مبيعات الأسلحة للإمارات.

النمط الإماراتي في المنطقة

تأتي تصرفات الإمارات في السودان ضمن نموذجها الإقليمي المعتاد: تعزيز الجهات المسلحة غير الحكومية ذات النزعات الانفصالية لضمان الوصول إلى الموارد والمواقع الاستراتيجية:

• ليبيا: دعم خليفة حفتر.

• اليمن: دعم المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يسعى للانفصال، في تعارض مباشر مع جهود السعودية للحفاظ على وحدة اليمن.

• الصومال: تمويل وتسليح كيانات إقليمية دون موافقة مقديشو مثل بونت لاند (حيث تستخدم قاعدة بوصاصو لدعم إمداد الدعم السريع)، وأرض الصومال، وجوبالاند.

كما موّلت الإمارات قرضاً بقيمة 1.5 مليار دولار لكينيا، في التوقيت نفسه لإعلان “حكومة الدعم السريع الموازية” في نيروبي.

الشرخ السعودي الإماراتي: خلاف أعمق بكثير

الخلاف في السودان ليس معزولاً، بل يعكس تباعداً استراتيجياً كبيراً بين الرياض وأبوظبي:

اقتصادياً

• السعودية تتحدى مكانة دبي كمركز تجاري عبر سياسة اشتراط نقل مقار الشركات الإقليمية إلى الرياض.

• منافسة عبر مشاريع اقتصادية عملاقة.

• خلافات داخل أوبك+ حول حصص الإنتاج.

الحدود البحرية

قدمت السعودية شكوى في الأمم المتحدة ضد ترسيم الإمارات المنفرد لمنطقة جزر الياسات.

الإعلام والسوشيال ميديا

يدور الخلاف الآن في الفضاء العام:

معلقون سعوديون مشهورون وصفوا نظراءهم الإماراتيين بأنهم “منبوذون ومكروهون من العرب والمسلمين”—وهي إشارات غير مباشرة للمواقف الرسمية.

السودان يدفع الثمن

مع استمرار التنافس الخليجي:

• تراهن السعودية على القوات المسلحة السودانية ودعم مؤسسات الدولة،

• بينما تركز الإمارات على الوصول للموارد ومواجهة التهديدات الأيديولوجية، وتواصل دعمها alleged للدعم السريع رغم تصاعد الإدانات.

طالما ظل هذا التنافس قائماً، سيبقى السودان عالِقاً تحت مرمى النيران، ويتحدد مستقبله وفقاً للصراع الجيوسياسي الذي يعيد تشكيل توازنات القوة في المنطقة.

عن الكاتب

الفاضل إبراهيم

كاتب ومحلل سياسي متخصص في سياسات الشرق الأوسط وإفريقيا، مع تركيز خاص على السودان. نُشرت أعماله في الغارديان، الجزيرة، العربي الجديد، أوبن ديموكراسي، وغيرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *