مبادرات التوافق والسلام إلى أين؟

حسن تابت مطر – كاتب 

في ظل النزاع المستمر  في السودان، والمأساة الإنسانية المتفاقمة التي يعيشها الشعب السوداني يومًا بعد يوم، تبرز الحاجة الملحة إلى جهود حقيقية لإيقاف الحرب والعودة إلى مسار السلام والاستقرار. ومن هذا المنطلق، جاءت مبادرات التوافق والسلام التي ابتدرتها جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية، وسط ترحيب ومباركة من مختلف الأطراف الإقليمية والدولية الداعمة لطرفي الصراع.

تسعى المبادرة المصرية-السعودية إلى إيجاد أرضية مشتركة تُخرج السودان من نفق الحرب المظلم، وتُعيد له سيادته ووحدته وتُوقف النزيف الوطني. وقد استندت المبادرة إلى مبدأ الحياد المتوازن، وعدم الانحياز لطرف دون الآخر، مع إعلاء المصلحة الوطنية للسودان فوق كل اعتبار.

ويكمن جوهر هذه المبادرة في جمع الفرقاء السودانيين على طاولة حوار، يتناول قضايا وقف إطلاق النار، وإيصال المساعدات الإنسانية، والترتيبات الأمنية، ومن ثم الشروع في مرحلة انتقالية تُبنى على التوافق الشامل.

رغم الزخم السياسي والدبلوماسي الذي حظيت به المبادرة، إلا أن هناك تحديات كبيرة تقف في طريق إنجاحها، أبرزها:

1. انعدام الثقة بين أطراف النزاع كل طرف يشكك في نوايا الآخر، ويرى أن الحوار مجرد وسيلة لكسب الوقت لا أكثر.

2. تعدد المبادرات وتضارب الأجندات من جدة إلى أديس أبابا، ومن القاهرة إلى عنتيبي، تتقاطع المبادرات دون تنسيق واضح، ما يُضعف أثرها.

3. غياب الإرادة السياسية الحقيقية بعض القيادات لا تزال تضع مصالحها الذاتية فوق مصلحة الوطن، ما يعيق أي تقدم.

أمام هذا المشهد المعقد، بات على القوى السياسية والمدنية السودانية وقبلهم المجتمع السوداني بكافة مكوناته أن يُحددوا خياراتهم واستراتيجياتهم بوضوح. فإما أن يكون هناك

   •   خيار الحرب والاستنزاف وهو خيار الخراب والدمار والتشظي، ولا يخدم سوى أعداء الوطن.

   •   أو خيار السلام والتسوية السياسية وهو خيار بناء الدولة، وإعادة اللحمة الوطنية، والانفتاح على المستقبل.

ولا يمكن السير في خيار السلام دون استراتيجية وطنية متماسكة تشمل 

   •   وحدة الصف المدني بعيدًا عن التجاذبات.

   •   رؤية موحدة للمرحلة الانتقالية تُطرح على طاولة المبادرة.

   •   ضغط شعبي داخلي داعم للسلام، ومُقاوم لاستمرار الحرب.

إن مبادرات التوافق والسلام لن تنجح ما لم تجد إرادة سودانية صادقة تدعمها، وما لم يتم تجاوز الحسابات الضيقة نحو أفق وطني واسع. المبادرة المصرية-السعودية قد تكون فرصة تاريخية، لكنها ليست حلاً سحريًا، بل مدخلًا لفتح الطريق إذا أحسنا استغلالها.

على السودانيين أن يُمسكوا بزمام المبادرة، ويضعوا الحديد وهو ساخن، فإما سلام يصنع التاريخ، أو حرب تطمر ما تبقى من الوطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *