جبال الكرته وحروب الذهب: أسرار الثروة المنهوبة في السودان

مقدمة

يُعد قطاع التعدين التقليدي للذهب أحد الركائز الاقتصادية الأهم في السودان، إذ يساهم بنسب معتبرة في الدخل القومي ويمثل مصدر رزق لمئات الآلاف من السودانيين. ومع ذلك، فقد ارتبط هذا القطاع بجملة من المشكلات، أبرزها التلوث البيئي، والتهريب، وتغذية الصراعات المسلحة، فضلاً عن تحوّله إلى نشاط غير خاضع للرقابة الفاعلة منذ اندلاع الحرب الأخيرة بين الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع.

البدايات والتطور التاريخي

تعود بدايات التعدين التقليدي في السودان إلى أوائل تسعينيات القرن الماضي مع شيوع أنشطة التنقيب اليدوي في مناطق نهر النيل والشمالية. لكن الطفرة الكبرى انطلقت عام ٢٠٠٩ بعد اكتشاف احتياطيات ضخمة في مناطق واسعة من شمال السودان، وأدى ذلك إلى ازدياد الإقبال الشعبي على التنقيب العشوائي، حيث انتقل عشرات الآلاف إلى “أسواق الذهب” المنتشرة في صحاري البلاد.

يُعرف السودان بأنه من أغنى البلدان الإفريقية بالثروات المعدنية، وفي مقدمتها الذهب، حيث يحتوي على أكثر من 40 ألف موقع مخصص للتعدين. وينشط في مجال تكرير الذهب نحو 60 شركة تتوزع عبر 13 ولاية، وتتركز 15 منها في ولاية جنوب كردفان وحدها .

وتُعد شركة أرياب للتعدين أول شركة سودانية منظمة بدأت أعمال التنقيب التجاري في شرق السودان، وتحديدًا في ولايتي القضارف وكسلا، حيث قامت بتطوير محاجر صغيرة وتحفيز الأهالي على التعدين الأهلي مقابل شراء إنتاجهم لاحقًا.

وتجدر الإشارة إلى أن أحد الشخصيات الإدارية المؤثرة  في الفترة الأولى لشركة أرياب للتعدين كان المهندس عبد العزيز أحمد بِلِيّة، وهو من كوادر الإسلاميين الذين قدموا إلى السودان في بداية تسعينيات القرن الماضي بعد أن كان يعمل أستاذًا بكلية الهندسة في جامعة الكويت.كما أنه شقيق الفريق عثمان بِلِيّة رئيس هيئة الأركان الأسبق للجيش السوداني إبان حكم الرئيس عمر البشير. وقد عمل عبد العزيز بِلِيّة في الشركة لمدة ١٤ عامًا، وكان له حضور مؤثر في تطوير عمليات التنقيب وتوسيع نشاط الشركة في شرق البلاد. وفي تصريح صحفي أدلى به لقناة الجزيرة عام ٢٠١٢، قال: “حقول الذهب السودانية واعدة، خاصة في جبال البحر الأحمر وشمال كردفان، إذا ما اعتمدت الوسائل العلمية في التنقيب”، مضيفًا أن “عشوائية التعدين وبدائية الوسائل التي يستخدمها المنقبون في تلك الحقول تسبب ضياع كميات كبيرة من الذهب عن طريق المنقبين أنفسهم.”

الانتشار الجغرافي

يتركز التعدين الأهلي في:

• شمال السودان: ولايتا نهر النيل والشمالية، مناطق العبيدية وأبو حمد وكريمة ودلقو.

• شرق السودان: القضارف وكسلا.

• جنوب كردفان: منطقة تلودي وكادقلي.

• جنوب دارفور: مناطق الردوم وبرام، وهي الآن تحت سيطرة مليشيا الدعم السريع التي تستحوذ على جزء كبير من العائدات.

في جنوب كردفان، مثّل الذهب منذ عام ٢٠١١ شريان حياة للكثيرين في ظل النزاعات، بينما في جنوب دارفور تحوّل إلى مصدر تمويل للنزاعات نفسها.

منجم هساي من أكبر المناجم في السودان 

يُعتبر منجم هساي أكبر منجم ذهب في السودان، اكتُشف عام 1993 ويقع شمال شرق البلاد قرب الخرطوم. بلغ إنتاجه حتى 2011 نحو 2.3 مليون أوقية من 18 حفرة مفتوحة. كانت ملكيته بين شركة أرياب للتعدين (60%) وشركة لا مانشا التابعة لنجيب ساويرس (40%)، قبل أن يعلن ساويرس في يونيو 2025 أنه باع حصته للشريك بسبب بيروقراطية الشريك الحكومي و قال انه المستثمر الوحيد الذي استطاع اخراج أمواله من السودان ، وتُقدَّر احتياطات المنجم  بأكثر من 14 مليون طن من الخام ضمن حزام أرياب الأخضر الغني بالمعادن.

شركات التعدين الأجنبية والمحلية

من أبرز الشركات العاملة في السودان:

1. شركة مناجم المغربية:

• بدأت الاستثمار عام ٢٠١٧ إبان حكم عمر البشير.

• تسيطر على مربع امتياز في ولاية البحر الأحمر.

• أعلنت في ٢٠٢٠ أنها أنتجت أكثر من ٢ طناً من الذهب.

• كما يُذكر أن الشريك المحلي السوداني لهذه الشركة كان الدكتور أبوبكر مصطفى، مدير وصاحب كلية كمبيوترمان (جامعة المستقبل حاليًا)، الذي لعب دورًا أساسيًا في إدخال الشركة بعد حصوله على التراخيص اللازمة عبر أحد إخوة الرئيس السابق عمر البشير. وبموجب هذا الترتيب حصل على نسبة شراكة معتبرة، ثم باع حصته بعد أعوام بعشرات الملايين من الدولارات، في صفقة اعتُبرت مثالًا لنمط التمكين والثراء السريع الذي استفادت منه شبكة ضيقة من الموالين للنظام. وقد مثلت هذه العملية نموذجًا مبكرًا لصفقات مماثلة استُخدم فيها النفوذ العائلي والقبلي لتسهيل دخول الشركات الأجنبية وضمان نصيب مالي ضخم لمجموعة محدودة، ما أدى إلى خلق طبقة جديدة من الأثرياء على حساب الطبقة التجارية التقليدية الثرية بالوراثة في الخرطوم.

2. شركة رضا للتعدين:

• تمتلكها عائلة عمر عبدالسلام الكوارتي، حيث يُعد عمر عبدالسلام المؤسس والمالك الرئيسي، وتدار حاليًا بواسطة ابنه محمد عمر عبدالسلام في إطار استثمار عائلي واسع النفوذ.

• تعمل خصوصًا في شمال السودان وتشتري الذهب من المعدنين التقليديين، ثم تصدّر جزءًا من الإنتاج عبر قنوات رسمية وغير رسمية.

• تدير العائلة ثلاثة مصانع ضخمة لمعالجة الذهب بتقنيات حديثة، هي:

• مصنع CIL (Carbon in Leach)

• مصنع CIC (Carbon in Column)

• مصنع VAT (الترشيح بالحوض)

• تقوم هذه المصانع بمعالجة آلاف الأطنان من الكرته يوميًا في مواقع إنتاجها.

• تُعد عائلة عمر عبدالسلام الكوارتي من أقوى العائلات نفوذًا في السودان ومن أغناها، حيث تملك علاقات وثيقة مع السلطة الحالية وتتمتع مناطق التعدين التابعة لها بحماية مشددة.

• وتمتلك العائلة مساحات شاسعة من الأراضي المليئة بالكرته “جبال على مد البصر”، ما يرسخ هيمنتها على أحد أكبر قطاعات إنتاج الذهب الأهلي والصناعي في البلاد .

3.شركة دال للتعدين

تُعد شركة دال للتعدين جزءًا من مجموعة دال الاقتصادية المملوكة لرجل الأعمال المعروف أسامة داود عبد اللطيف، وتُصنف ضمن الشركات السودانية ذات الطابع المؤسسي المنظم. تعمل دال في استكشاف وتطوير امتيازات الذهب بولايات البحر الأحمر ونهر النيل والشمالية، كما تقدّم خدمات المقاولات التعدينية وتجهيز الكرته لصالح منتجين آخرين. ورغم أن حجم إنتاجها لا يرقى إلى مستوى شركات كبرى مثل الجنيد أو رضا، فإن الشركة تحظى بسمعة نسبية بأنها أقل ارتباطًا بالصراعات السياسية، وتتبنّى سياسات تشغيل أكثر انضباطًا في السلامة وتقليل التلوث. وتسعى دال للتوسع خلال السنوات المقبلة لتصبح من كبار المنتجين، مستفيدة من قوتها التمويلية وشبكة المجموعة الأم. وبالمقارنة مع بقية اللاعبين، تعد دال نموذجًا لنهج الرأسمال التجاري التقليدي الذي حاول الدخول إلى قطاع الذهب بمعزل عن المليشيات أو النفوذ القبلي، لكنها تظل محدودة التأثير في خارطة الإنتاج الإجمالي حتى الآن .

الأرباح والاقتصاد

تشير تقديرات غير رسمية إلى أن التعدين التقليدي في السودان ينتج سنويًا نحو ٨٠ إلى ٩٠ طناً من الذهب، بقيمة تتجاوز ٤ مليارات دولار حسب أسعار السوق العالمية.

لكن الحكومة لا تتحصل سوى على نسبة محدودة بسبب التهريب، حيث يُقدّر أن أكثر من ٧٠٪ من الإنتاج يتم تهريبه إلى الخارج، ولا سيما عبر الإمارات.

حميدتي والذهب

قائد مليشيا الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، جمع جانبًا كبيرًا من ثروته من الذهب:

• أسس شركات تعدين، أبرزها شركة الجنيد.

• حصل على امتيازات في مناجم جبل عامر بشمال دارفور.

• استثمر العائدات في شراء أسلحة وتمويل شبكاته العسكرية.

وتؤكد تقارير عدة أن السيطرة على مناطق الذهب كانت سببًا رئيسيًا لتنامي نفوذ قواته.

الشركة السودانية للموارد المعدنية

تعد الشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة الذراع الحكومي المسؤول عن تنظيم قطاع التعدين التقليدي والصناعي منذ تأسيسها عام ٢٠١٥، حيث تتبع لوزارة المعادن وتضطلع بمهام إصدار التراخيص والرقابة على الإنتاج وتحصيل العوائد والضرائب.

وتفرض الشركة نسبة محددة من عائدات الذهب تُقدَّر بنحو ٤٪ تخصص لما يسمى بمشاريع المسؤولية المجتمعية التي يُفترض أن تُنفذ لصالح المجتمعات المحلية في المناطق المنتجة.

وعلى الورق، تشمل هذه المشروعات حفر آبار مياه، وبناء مدارس ومراكز صحية، وتحسين الطرق والخدمات. إلا أن الواقع الفعلي يكشف عن تفاوت كبير في التنفيذ، حيث استفادت بعض المناطق مثل ولايتي نهر النيل والشمالية من قدر محدود من البنى التحتية، بينما بقيت مناطق التعدين في شمال دارفور وجنوب كردفان تعيش أوضاعًا متردية، دون خدمات كافية أو معالجة للتلوث الناتج عن الزئبق والسيانيد المستخدمين بكثافة في الاستخلاص.

ويعزو خبراء ومراقبون محدودية الأثر إلى ضعف الشفافية والفساد الإداري، إذ لم تُترجم المليارات المستخرجة من الذهب إلى تنمية حقيقية ومستدامة تحسن حياة السكان. ومع استمرار الحرب وتفاقم التهريب، باتت الموارد المعدنية مجالًا خصبًا للجدل والاتهامات بسوء الإدارة واستغلال العائدات دون مساءلة أو رقابة مستقلة.

الإمارات: المستفيد الأول من ذهب السودان

تعتبر دولة الإمارات العربية المتحدة، وتحديدًا مدينة دبي، المحطة الرئيسية للذهب القادم من السودان، سواء عن طريق التصدير الرسمي أو التهريب غير المشروع.

دور دبي في تجارة الذهب الإفريقي

• دبي تُعرف بأنها “بوابة الذهب الإفريقي”، حيث تستقبل عشرات الأطنان سنويًا من الذهب المستخرج في ظروف محفوفة بالمخاطر والفساد.

• وفقًا لتقرير منظمة Global Witness الصادر عام ٢٠٢٠ بعنوان “سودان الذهب والدم”، دخل الذهب السوداني دبي عبر طرق غير قانونية مع غياب شبه كامل للرقابة الحكومية.

• تمثل الإمارات وجهة لأكثر من ٧٠٪ من صادرات الذهب السوداني المعلنة وغير المعلنة، ما يضعها في قلب دورة التمويل غير المشروع للصراعات المسلحة.

مجموعة كالوتي للذهب والمعادن الثمينة (Kaloti Precious Metals)

• الشركة: مجموعة كالوتي

• المؤسس والمالك: رجل الأعمال محمد شكيب كالوتي

• المقر: سوق الذهب في دبي (Dubai Gold Souk)، وهي تدير مصفاة كبرى وشبكة واسعة من مكاتب الشراء.

• دورها:

• كالوتي كانت، بحسب رويترز وتحقيق Global Witness، من أكبر الشركات المشترية للذهب القادم من السودان وعدة دول إفريقية.

• بين عامي ٢٠١٢ و٢٠١٤، ظهرت تقارير عن شحنات ضخمة من الذهب السوداني التي تم شراؤها نقدًا أو عبر وسطاء محليين دون التحقق الصارم من المنشأ.

• في ٢٠١٤، خضعت الشركة لتدقيق دولي واسع بعد اتهامها بتلقي ذهب بلا إثباتات منشأ موثقة، ما دفع الإمارات لتشديد قواعد الإفصاح لاحقًا.

• رغم ذلك، استمرت في شراء الذهب من مناطق النزاع، بما في ذلك شحنات مرتبطة بمناجم جبل عامر التي سيطرت عليها مليشيات محلية ثم شركة الجنيد التابعة لحميدتي.

دبي كمركز إعادة تصدير وتبييض المنشأ

• بعد وصول الذهب إلى دبي، تتم تنقيته وإعادة دمغه بختم “Made in UAE” ثم تصديره إلى أوروبا وآسيا.

• هذه العملية أسهمت فعليًا في إضفاء الشرعية على الذهب المستخرج بطرق مشبوهة أو في ظروف استغلال.

انتقادات وتحقيقات دولية

• تقرير رويترز عام ٢٠١٩ بعنوان “الذهب الدموي السوداني” وصف دبي بأنها محور رئيسي للذهب غير المشروع القادم من السودان.

• تقرير مجموعة الأزمات الدولية أكد أن عائدات التهريب ساعدت في تمويل النزاعات المسلحة وإثراء قادة المليشيات.

• طالبت منظمة Global Witness مرارًا الحكومة الإماراتية بفرض رقابة صارمة على شركات مثل كالوتي وتجميد التعامل مع الذهب السوداني حتى تتحقق الشفافية.

انعكاسات ذلك على السودان

• خسائر مالية ضخمة بسبب عدم تحصيل الضرائب والعوائد الحقيقية.

• استمرار النزاعات المسلحة الممولة من التهريب.

• تفشي الفساد بين وسطاء التصدير المحليين.

طريقة استخراج الذهب (التنقيب التقليدي)

يُستخرج الذهب في السودان بالطريقة التقليدية من خلال عمليات تنقيب يدوية تعتمد على أدوات بسيطة وجهود شاقة، حيث يبدأ المعدنون بالحفر في باطن الأرض عبر آبار رأسية ضيقة قد يصل عمقها إلى عشرات الأمتار. يُخرج التراب الحجري المحمّل بخام الذهب في أوعية حديدية بواسطة الحبال والبكرات.

ويعرف هذا التراب باسم “الكرته”، وهو مصطلح سوداني يُطلق على الصخور المطحونة التي يُعتقد أنها تحتوي على حبيبات الذهب. بعد ذلك تُجمع الكرته وتُنقل إلى أماكن الطحن، حيث تُسحق في مطاحن حجرية أو ميكانيكية صغيرة غالبًا ما تُدار بمحركات ديزل. ثم يُخلط المسحوق الناتج بالماء والزئبق، إذ يتفاعل الزئبق مع الذهب مكونًا ملغمًا يُفصل لاحقًا بالتسخين المباشر لاستخلاص المعدن الخام.

ورغم بساطة هذه الطريقة، فإنها تنطوي على مخاطر كبيرة على صحة العاملين والبيئة، نتيجة الاستخدام العشوائي للزئبق وتسرّبه إلى التربة والمياه الجوفية، إضافةً إلى الانهيارات المتكررة لآبار الحفر التي تتسبب سنويًا في وفيات وإصابات عديدة.

بورصة ومصفاة الذهب: الفرصة الضائعة لإنشاء سوق عالمي

منذ سقوط نظام عمر البشير، برزت فكرة إنشاء بورصة ومصفاة ذهب بمواصفات عالمية في السودان لتكون منصة رسمية لتسعير وتداول وتصدير الإنتاج المحلي، على غرار ما يحدث في دبي. لو تحققت هذه الخطوة، لكان الذهب السوداني يُختم رسميًا ويباع في الأسواق الدولية بمصداقية أعلى، ما يُتيح تحصيل العوائد كاملة ويجعل البلاد مركزًا إقليميًا لتجارة الذهب.

ورغم وضوح الفكرة وفائدتها، واجهت محاولات تنفيذها مقاومة شديدة. ففي بدايات الفترة الانتقالية، سعى وزير المالية الأسبق إبراهيم البدوي لتأسيس بورصة ذهب وطنية، لكنه جوبه بتعطيل إداري وتلكؤ في إصدار التشريعات اللازمة. لاحقًا، تولى الوزير القوي واسع النفوذ د. جبريل إبراهيم الملف، إلا أنه هو الآخر لم ينجح في تجاوز العقبات التي وضعتها دوائر نافذة داخل وزارة المالية نفسها، والتي يرى كثيرون أنها خاضعة لتأثير مصالح المجموعات المرتبطة بتجارة الذهب والتهريب، حيث أدت هذه المقاومة إلى إجهاض مشروع البورصة.

يُذكر أن إنشاء بورصة ومصفاة ذهب لا يُعد مشروعًا مكلفًا من الناحية الفنية، إذ يعتمد بالأساس على الإرادة السياسية وإصدار قوانين ولوائح واضحة، إضافةً إلى شراكات تقنية مع أطراف دولية متخصصة في إدارة منصات التداول والتكرير.

وفيما يلي الخطوات العملية الأساسية اللازمة لإنشاء بورصة ومصفاة ذهب بالسودان:

1. إصدار قانون بورصة الذهب:

• وضع تشريعات تحدد إطار عمل البورصة والجهة المشرفة عليها وصلاحياتها التنظيمية.

• تحديد قواعد التسجيل والتراخيص للمتداولين والمنتجين.

2. تأسيس كيان إداري مستقل:

• إنشاء هيئة لإدارة البورصة والمصفاة بتمثيل حكومي وخبراء مستقلين.

3. تجهيز المصفاة بمواصفات معتمدة عالميًا:

• اختيار تكنولوجيا التكرير (مثل معيار LBMA).

• تدريب كوادر سودانية وتشغيل خبرات أجنبية عند اللزوم.

4. تطوير منظومة التتبع والدمغ:

• تصميم آلية لتوثيق مصدر الذهب وضمان ختم الإنتاج بختم موثوق.

5. بناء منصة تداول إلكترونية شفافة:

• توفير نظام يتيح الشراء والبيع بأسعار معلنة وفق العرض والطلب.

• ربط المنصة بشبكات مصرفية ونظم الدفع العالمية.

6. التعاقد مع شركاء دوليين:

• التعاون مع بورصات ذهب رائدة مثل بورصة دبي للذهب أو بورصة لندن.

7. إطلاق حملة توعية وطنية:

• شرح الفوائد للمجتمعات المحلية والمنتجين التقليديين والتجار.

ورغم أن هذه الخطوات ليست معقدة تقنيًا، ظلت الإرادة السياسية غائبة، بينما تكفّل النفوذ الخفي داخل وزارة المالية بتعطيل المشروع. وبقي السودان حتى اليوم يفتقد بورصة ومصفاة وطنية، ما يُكرس استمرار التهريب ويُحرم الاقتصاد من مليارات الدولارات سنويًا.

هل يُهرّب الذهب أيضًا إلى مصر بعد حرب أبريل ٢٠٢٣؟

بعد اندلاع الحرب في السودان في أبريل ٢٠٢٣ بين الجيش والدعم السريع، توسعت مسارات تهريب الذهب بشكل لافت، حيث لم يعد التهريب يقتصر على المعابر المؤدية إلى الإمارات عبر تشاد وليبيا فقط. وأفادت تقارير لوسائل إعلام إقليمية مثل قناة الجزيرة وصحيفة الشرق الأوسط وموقع العربي الجديد، إضافة إلى تحقيقات Global Initiative Against Transnational Organized Crime، أن الحدود الشمالية مع مصر تحولت إلى مسار تهريب نشط، خاصة من مناطق نهر النيل والشمالية.

وبحسب شهادات تجار محليين في وادي حلفا وأبو حمد، يجري نقل كميات من الكرته والذهب الخام عبر طرق صحراوية مستغلين تراجع سيطرة الدولة وتواطؤ بعض السماسرة وشبكات قبلية تنشط في التهريب. ويقدّر خبراء أن جزءًا من هذا الذهب يُعاد صهره ودمغه داخل مصر ليظهر كإنتاج محلي قبل إعادة تصديره إلى الأسواق العالمية.

ويرى مراقبون أن استمرار حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة سيجعل مصر وجهة دائمة للذهب السوداني المهرّب، ما يفاقم خسائر الاقتصاد الوطني ويزيد من صعوبة ضبط العائدات والسيطرة على موارد التعدين.

الذهب في المثلث بعد تصاعد النزاع

شهدت منطقة المثلث الحدودي (حلايب وشلاتين) خلال الأسابيع الماضية أحداثًا لافتة، بعد توسع عمليات مليشيا الدعم السريع التي تقدمت شمالًا على حساب الجيش السوداني. وقد أدت هذه التطورات إلى انسحاب القوات النظامية من بعض النقاط الحدودية وهروب مجموعات من السكان المحليين باتجاه ولايتي نهر النيل و الشمالية . وتُعد هذه المنطقة من المواقع التي نشط فيها التعدين الأهلي بشكل محدود لسنوات، حيث ظل المعدنون التقليديون يستخرجون الذهب من الجبال ويبيعونه عبر أسواق موسمية أو يهرّبونه الي مصر و ليبيا . ومع سيطرة مليشيا الدعم السريع على مسارات صحراوية حيوية داخل المثلث، توقفت معظم أنشطة البيع والشراء وتفاقمت المخاوف بشأن تحول المنطقة إلى مسار تهريب جديد للذهب والسلع في ظل غياب سلطة الدولة. ورغم صعوبة الحصول على تقديرات دقيقة لحجم الإنتاج الأهلي هناك، تشير روايات محلية وتقارير ميدانية إلى أن آلاف العاملين في التنقيب اضطروا لترك مواقعهم، ما عمّق حالة الفوضى الاقتصادية والاجتماعية في الشريط الحدودي.

التوصيات والرؤية المستقبلية

لإعادة توجيه قطاع الذهب السوداني نحو خدمة الاقتصاد والمجتمع بدلاً من تغذية النزاعات وتمكين قوى النفوذ، تبرز الحاجة إلى إصلاحات عميقة ومتدرجة. وتشمل الأولويات إرساء نظام شفاف لتراخيص الامتياز والتصدير يحدّ من هيمنة الشركات المرتبطة بشبكات الولاء القديم، وتعزيز دور الدولة في تنظيم التعدين الأهلي وتحصيل العوائد. على المستوى البيئي والصحي، لابد من تطوير خطة عاجلة لمعالجة آثار التلوث بالزئبق والسيانيد، وضمان سلامة العاملين والمجتمعات المحلية. أما سياسياً، فإن استقرار هذا القطاع لن يتحقق إلا ضمن تسوية شاملة تضمن إنهاء النزاعات المسلحة، وإعادة بناء مؤسسات حكم مدنية قادرة على فرض سيادة القانون ومحاسبة المتربحين. وفي نهاية المطاف، سيظل مستقبل الذهب في السودان اختبارًا حقيقيًا لقدرة السودانيين على تحويل مواردهم الطبيعية إلى أداة للنهوض لا للانقسام .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *