قراءة في ميثاق ودستور حكومة الدعم السريع 

الحلقة الثانية

جمال عبدالعال خوجلي – كاتب سوداني 

وقعت مجموعة الدعم السريع وحلفائها في نيروبي وثيقة للدولة السودانية الجديدة، ميثاقا جمع مجموعات متنافرة التوجه والمرجعية، قدمت له بدعوة لتأسيس دولة جديدة تتجاوز نلك التي إستقلت العام 1956م ومضت في العالم بأسره بإسم جمهورية السودان وتعاقبت عليها الأجيال والمؤسسات والأنظمة، دولة تقوم على سردية التهميش والتخلف للمجموعات الموقعة على الميثاق وعلى رأسها قوات الدعم السريع. دبجت العبارات في سياق نصوص الميثاق ولاحقا ما صدر من دستور، لكنها جاءت متناقضة تماما مع ما لمسه الموطن السوداني من سلوك وتصرفات وأفعال مجموعات الدعم السريع في الخرطوم ودارفور والجزيرة والنيل الأبيض وسنار. 

مثل الميثاق ومن بعده الدستور الذي كتب على عجل التبرير الورقي لتشكيل حكومة موازية في السودان تستنسخ تجربة ليبيا، وتقدم الدعم السريع مزدانا بأفراد ومجموعات مفككة من أحزاب وقوميات وقبائل لإسباغ مدى متوهم أكبر يحاول تغطية عورات الدعم السريع التي إنتشرت قتلا وذبحا ونهبا وإغتصابا للمواطن السوداني البسيط، ليس فقط في دارفور التي إنتهكها الدعم السريع قبل حوالي العشرين عاما، وإنما السوداني العادي البسيط في مسكنه ومأمنه. دمرت مليشيات الدعم السريع أجزاء من مشروع الجزيرة ومصنع سكر سنار وجامعة الجزيرة ومحطات الكهرباء والمياه وسائر مؤسسات ومعينات الحياة العامة والخاصة في عدد من الولايات التي دنستها قواتهم. جاء الميثاق تبرير ورقي ومحاولة لإلباس الدعم السريع جبة جديدة غير تلك التي كان يلبسها الناظر مادبو، ولا التي كان يفاخر بها الناظر بابونمر ولا غيرهم من رواد كسب دولة 56 الذين إنضموا لجوقة الميثاق.

ولتبرير الجبة الجديدة، سعى الميثاق لتقديم الدعم السريع ومجموعته في دور الضحية وقاطني الهامش المتخلف الذين إنتقطعت عنهم دولة السودان ونظام حكمه منذ العام 56، مرددين أن الدولة الوارثة للحكم بعد استقلال السودان في ذلك العام. وهي الدولة المتهمة عند قوى الهامش بأنها ظلت حكراً للجماعة العربية على النيل منفردة بالسلطة والثروة.

جاءت تفاصيل الميثاق ومن بعده الدستور المعلن من مجموعة نيروبي لتغطي جوانب عديدة للباس الجديد ولتقدم تعريفات للدولة المنتظرة وأساس قوانينها ومرجعية مجتمعها وأوضاع مكونات مجموعاتها المسلحة.

أما الدولة الجديدة عند مليشيات الدعم السريع وحلفائهم، فهي التي ستقوم على أنقاض دولة 56 التي كان يفترض أن تدمرها مليشيات الدعم السريع كما حدثت للمؤسسات العامة بالخرطوم والولايات الأخري، سواء كانت مؤسسات الدولة ومبانيها أو مراكز الخدمات من المدارس والمستشفيات ووسائل النقل وغيرها. تدمير الدولة القديمة ( دولة 56 ) كان هو الهم والهدف الأساسي للمخطط الخارجي الذي تنفذه مليشيات الدعم السريع منذ إندلاع الحرب منتصف أبريل 2023م، ولحد كبير نجحوا في التدمير المخطط المقصود في الخرطوم، وتمددوا بذات الهدف الى ولاية الجزيرة نهاية العام 2023م، فدمروا ما استطاعوا من بنية مشروع الجزيرة عماد الإقتصاد السوداني لعشرات السنوات، وعدد من مصانع القطاع الخاص في الجديد الثورة شمال ولاية الجزيرة ومصانع الزيوت والحلويات ومنتجات التصنيع الزراعي وغيرها فضلا عن عدد من مصانع السكر . إمتدت يد الدمار الى وثائق الدولة خاصة سجلات الأراضي ووثائق وتاريخ البلاد وأنظمة التخرج من الجامعات والمدارس قصدا أن يتم التدمير وإلغاء الذاكرة ومحو التاريخ. كان الأمل أن ينجح المخطط وتدمر الدولة القديمة، وبسلاح الجنجويد وبطشهم تقوم الدولة الجديدة على الأنقاض، لكن المحطط والمنفذ لم يستوعب دروس التاريخ التي أثبتت أكثر من مرة عزيمة أهل السودان وقدرتهم على تجاوز المحن والصعاب، فتكرر عليهم المآل وأنهزم المخطط وإندحر منفذ الجريمة من وسط السودان، ولايات الجزيرة وسنار والنيل الأبيض وغالب ولاية الخرطوم. لذلك لجأ المخطط الى إعادة رفع الراية ولكن بوجوه جديدة تشكل المشهد والصورة جنبا الى جنب مع الدعم السريع، وتستعجل الخطى لإعلان الدولة في ما تبقى لهم من مساحات وحواضر في دارفور قبل أن تلحق بهم ذات هزيمة أم درمان والجزيرة وجبل موية وغيرها في دارفور. 

لم يستحى المخطط ولا جوقة الإخراج في نيروبي من أن يكرر ذات تفاصيل بناء الدولة التي مضت في السودان، فطفقوا يسطرون ذات نظم الحكم التي مضت في دولة 56 ،  الفيدارلية والإتحادية والحكم اللامركزي وتنزيل السلطات للأدني. بعضهم كانوا حكاما في زمن الإنقاذ وبعض آخر كانوا رموزا للإدارة الأهلية منذ الإستقلال، بل وإستوزر أبناءهم في الستينات والثمانينات من القرن الماضي في أوج دولة 56 . كان لهم أداور في حكوماتها وسياساتها. كان لهامش السودان في دارفور  ثقل معتبر، وأكبر بكثير من المناطق الشمالية والوسطى في انتخابات الفترات الديمقراطية الثلاث. هذه المجموعات ساندت ودعمت وصوتت  للأحزاب التقليدية الدينية التي انتموا لها، وهي الأحزاب التي حكمت السودات في  فترات الديمقراطية منذ العام 1956م . 

مسارعة الدعم السريع لكسب القائد عبدالعزيز الحلو حتى بقبول شروطه بإعادة تقسيم ولايات السودان وإلغاء ولاية غرب كردفان وتوزيع محلياتها بين ولايتي شمال وجنوب كردفان (ستسمى إقليم جبال النوبة)، يعني إنقلابا إداريا جديدا لا يقبله أهل غرب كردفان.  

جاء في الميثاق أن من مهام الحكومة عدم تقسيم البلاد، وهو كذلك شعار لا يصدقه الواقع، إذ هجمت مليشيات الجنجويد من منبع واحد قبلي ممتد بين السودان ودول مجاورة، ثم إستعانت بالمرتزقة من هنا وهناك، لكن ظل الموجه والأصيل هي مليشيات الدعم السريع المعروفة الإنتماء القبلي المحدد الساعي لتمكين العنصر ولو كان ذلك بقتل وتهجير جيرانه وشركائه في المدينة والولاية والإقليم لمئات السنين كما فعلوا في دارفور منذ العام 2007م. مضت الوثيقة لتقنن للتقسيم، حتى مع الجيش الموحد، يحفظ للمجموعات المسلحة  الاستمرار في الوجود، يعني أن تظل المليشيات المسلحة كما هي حتى في دولتهم الجديدة.

وأما الدستور الذي صدر على عجل وبعد أيام من الميثاق فقد ركز بشكل أساسي على علمانية الدولة وبعدها عن الأديان. محاولات ترقيع الجبة الجديدة لم تكن مقنعة حتى لأصحابها، فاختاروا أن يمضوا لمدى يقلب تماما ما إتفق عليه أهل السودان منذ الإستقلال بمرجعية الدين في سائر شئون حياتهم مع الإحتفاظ لكل المجموعات غير المتدينة في ممارسة طقوسهم. الإصرار الشديد على علمانية الدولة جاء إرضاء للقائد الحلو أحد قيادي مجموعات لحركة الشعبية، ونزل على مجموعة الجنجويد بردا وسلاما يبعدهم أكثر عن دولة 56. 

يبدو أن مجموعات نيروبي الملتفة حول الدعم السريع متيقنة بأن الخطو نحو العلمانية دائما ما تتقهقر وتسقط في أي إختبار شعبي أو مواجهة سياسية، لذلك وضعت الخيار الآخر بأنه في حال عدم القبول بالعلمانية يتجه السودان نحو حق تقرير المصير لما أسماه (شعوب السودان). طرح قضيتي العلمانية وحق تقرير المصير سيؤدي لانقسامات تنظيمية داخل عدد من الأحزاب والحركات السياسية التي أسست وإرتبطت  بالدين وبالجماعات المتصوفة  حزبي الأمة والإتحادي، والغالب أن تخرج مجموعات قبلية ظلت تاريخيا موالية لهذه الأحزاب من أحزابها القديمة لتوالي التحالف الجديد متدثرة بثوب القبلية والجهوية. 

خطوة الميثاق/ الدستور تمهد الطريق لمجموعات تحالف الدعم السريع لتشكيل حكومة موازية في السودان ظاهرها حكم مدني سياسي يقدم الحاضنة لوجود عسكري بمقدرات ودعم خارجي كما ظل الحال منذ إندلاع الحرب. الحكومة الموازية يراد لها أن تؤمن إطارا دبلوماسيا خارجيا للجنجويد في معركتها مع الجيش السوداني وحاضنته الشعبية الممتدة يوما بعد يوم.  حاولت بنود الميثاق أن تقفز على تجاوزات الدعم السريع وجرائمه الإنسانية في الجنينة والجزيرة وسنار وغيرها، وتعيد الخطاب بنسخة جديدة للمجتمع الدولي أنها توفر متطلباته المتعلقة بالوضع الإنساني في المناطق  التي يسيطر عليها الجنجويد. 

هذا الخطاب يعيد للأذهان مواقف المليشيات التي لاتزال ماثلة للعيان وتشهد آثارها على جريمة قتل وسحل والي غرب دارفور خميس عبدالله أبكر الذي إختطفه الدعم السريع ثم قتله. لايزال المساليت وهم أهل المنطقة والولاية بتاريخ وسلطنة قديمة يعتبرون أن تصفيته تصرف وحشي يضاف إلى سجل جرائم الدعم السريع، ويتوعدونها بالملاحقة القانونية. تاريخ الدعم السريع ملطخ بالدماء في دارفور، وجرائم دفن أبناء المساليت أحياء ليست بعيدة عن الأذهان، ولا قتل أبناء عدد من أبناء مكونات بعينها، وهو ما شهدت عليه المنظمات الدولية، بل وأدانت عدد من الدول الدعم السريع بجرائم ضد الإنسانية، والإبادة والتطهير العرقي. كذلك فإن هناك عدداً من حركات ومجموعات دارفور تصطف ضد الدعم السريع وتقاتل في صفوف الجيش.

حاول الدعم السريع أن يعويض الفراغ السياسي الذي تركته ” تقدم” بعد رفضها خيار الحكومة الموازية بتحالف سياسي جديد يدعم أعماله العسكرية، لكن المجموعات التي إنضوت في التحالف ومنها القائد عبدالعزيز الحلو سيكون أمامها سؤال وتحدي المشاركة في الحكومة التي سيتبناها الدعم السريع . 

هل سيقبل النوبة في مناطقهم ( كاودا تحديدا) بحكومة للدعم السريع؟ 

هل سيقبل القائد عبدالواحد محمد نور ( غير المنضم لتحالف نيروبي) بحكومة للدعم السريع في مناطق تواجد قواته بجبل مرة وسط دارفور؟

هل ستترك المليشيات مناطق دارفور التي تتواجد فيها حاليا كبعض مناطل شرق وجنوب وغرب دارفور  لحكومة توفر الخدمات وتخرج منها وهي التي أستدعيت من الشتات للنهب والسلب والسرقة ولا هم لها غير ذلك؟ هل ستخرج من هذه المناطق وتتركها للمدنيين؟ ومن سيحمي حكومة المليشيا من الجيش؟ 

التراجع العسكري الكبير وهزيمة الدعم السريع وإخراج مليشياته من ولايات سنار والجزيرة ومناطق واسعة بالخرطوم أعقبه مباشرة عودة الحياة المدنية ودواووين الدولة للعمل تحت حماية الجيش، فهل سيكون ذلك كذلك أيضا في دارفور حال خروج المليشيات ؟

تجربة الإدارة المدنية التي أنشأها الدعم السريع في الخرطوم وفي ولاية الجزيرة فشلت في تقديم الخدمات أو تحقيق الأمن، بل ظلت محاولات تبرير لتجاوزات المليشيات وإعتداءاتهم على المواطنين الأبرياء العزل، وغالب قادتها من رموز بعض الأحزاب إما إستسلموا للجيش أو فروا هاربين بعيدا عن المناطق التي كانوا يديرونها.. 

الخلاصة أن لقاء نيروبي جمع المتناقضات والمتفرقات لتحقيق هدفين: 

الأول : ضمان إستمرار الحرب،

الثاني : أن تكون هناك مجموعة مدنية حول الدعم السريع تمثل الشق الآخر للتفاوض مع الجيش السوداني ، حكومة مقابل حكومة يتقاسمان السلطة في إطار أي مفاوضات أو إتفاق قادم، بما يضمن إستمرار الدعم السريع ومن يديره ويخطط له.

هكذا جاء إتفاق نيروبي تمهيدا وتبريرا لمد الذراع الخارجية بصورة واضحة دون مواربة بدعم عسكري كبير ليتفوق على الجيش السوداني وتحت رايات الحكومة الجديدة ومستغلا لبعض مطارات دارفور التي بنتها دولة 56 ويحتلها حاليا الدعم السريع على ذات شاكلة نموذج حفتر في ليبيا ونموذج المجلس الإنتقالي في اليمن، ليتواصل المخطط الخارجي لتدمير السودان.

 “سنحارب السودان من خلال جيرانه…” كانت هذه الكلمات هي المدخل لعملية العدوان الكبري المسماة بالأمطار الغزيرة العام 1996م، في جو من الاشتعال الكبير لحرب الجنوب ضد الدولة المركزية السودانية، جاء الدعم العسكري من يوغندا وغيرها حتى وصل العدوان لحدود ستين ميلا من جوبا. ما أشبه ما حدث في نيروبي مؤخرا بذات المبررات لذاك العدوان تدشينا لجولة جديدة للحرب ضد السودان،  تشن عليه عبر ومن خلال جيرانه. 

هل سيتجه جوار السودان المحارب في مقبل الأيام حدود جنوب دارفور مع شمال بحر الغزال في دولة الجنوب في ظل توافد الآلاف من الجنود اليوغنديون لجوبا؟

هل ستنطلق ترتيبات وتجهيزات لوجستية عسكرية مغطاة برداء مركز دعم صحي يبنى حاليا في أويل بالقرب من الحدود السودانية مع دولة جنوب السودان ؟ كما حدث في أم جرس التشادية؟ هل سيتمدد المحور الخارجي المعادي ليضم أفريقيا الوسطى دعما للعدوان تحت مظلة دعم حكومة الدعم السريع  في مواجهة الجيش السوداني؟ أم سينقلب السحر على الساحر في هذه الدول التي يترنح بعض حكامها في سلطتهم؟

كلها أسئلة تدور وسط تقدم عسكري كبير للجيش السوداني في ولايتي الخرطوم وكردفان، وغاية ما يسعى له المخطط من إتفاقات نيروبي هو وقف ذلك التقدم والسعي للعودة لما كانت عليه الأوضاع قبل عام ونيف بل والتمدد للولايات الشمالية حتى عبر المسيرات والقذائف التي لا تنقطع بالمدد الخارجي المتواصل.

استضافة كينيا لاجتماعات نيروبي تؤسس لسابقة تهدد كثير من الدول الأفريقية وفي مقدمتها كينيا نفسها، وهي التي تعاني من أزمات سياسية وعرقية تتكرر فيها المواجهات العسكرية الدامية، فضلا عن أن ذلك يعد انتهاكاً لسيادة دولة أخرى ويتعارض مع المواثيق الدولية والإقليمية، وقد تدفع كينيا الثمن. 

التقدم العسكري للجيش بات يلامس شرق دارفور التي تمثل الحاضنة الرئيسية القبلية للمليشيات، ما يعني بأن الترويج أن دارفور ستكون مستقر ومستودع حكومة إتفاق نيروبي، بات مهددا إن لم نقل متراجعا، هذا فضلا عن فشل المليشيات في السيطرة على ولاية شمال دارفور التي تمثل حوالي 60% من مساحة دارفور . 

الواقع أن الحكومة الموازية إن رأت النور لن تحقق الاختراق الذي يأمل فيه أصحاب فكرتها، ولن تجد الاعتراف الذي تحلم به خاصة بعد قرار مجلس الأمن والسلم الإفريقي برفضها إبتداء. أهم من ذلك فهي لن توقف زحف الجيش إن لم تزده إصراراً على انتزاع بقية المناطق والتعجيل بنقل المعركة إلى مناطق سيطرة الدعم السريع في دارفور.

في الحلقة التالية نواصل القراءة في ترتيبات المخطط الخارجي مقابل تدابير الداخل.   

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *