حسين بَقَيرة – كاتب سوداني بالمملكة المتحدة
في سابقة خطيرة، ظهر عدد من النشطاء الداعمين لمليشيا “الدعم السريع الارهابية”، يتقدمهم سليمان صندل، جبريل بلال، وعِمران عبد الله، مستشار قائد المليشيا المجرم حميدتي، داخل البرلمان البريطاني. وأدلى عِمران بتصريح زعم فيه أن وفدهم طرح فكرة “الحكومة الموازية” على المسؤولين، وأنهم استوعبوا مطالبهم وتبنوها، مضيفًا: “وماشين قدامين…”
هذا التصريح يمثل أكذوبة صادمة في عصر المعلومات المتاحة والانفتاح الإعلامي، حيث يحاول هؤلاء الجنجويد، المعروفون بتاريخهم الدموي، الترويج لأجندتهم الزائفة. وما يثير الدهشة أكثر هو وقوف شخصيات مثل سليمان صندل وجبريل بلال بجانبهم، رغم أن من المفترض أن لديهم إلمامًا بالمبادئ واللوائح التي تحكم عمل البرلمان البريطاني. غير أنهم ظهروا وكأنهم مجرد أدوات مسلوبة الإرادة، خاضعين تمامًا لأوامر أسيادهم من الجنجويد ورعاتهم في الإمارات، ينفذون التعليمات بلا تفكير، حتى لو طُلب منهم التضحية بأنفسهم. إنه انحدار أخلاقي غير مسبوق.
من المعروف أن قوانين البرلمان البريطاني تمنع التصريحات السياسية التي تحرض ضد الإنسانية، فما بالك عندما تصدر هذه التصريحات عن مجرمي حرب متورطين في إبادة جماعية بحق الشعب السوداني، خاصة في دارفور؟
الحقيقة هي أن أي زائر، سواء كان ناخبًا بريطانيًا أو مقيمًا، يحق له طلب زيارة البرلمان. وعادةً ما يتم التنسيق مع عضو البرلمان المعني لحجز لقاء شخصي أو جماعي، يتم عبر طلب شخصي او منظمة مدنية، ويخضع لإجراءات رسمية تشمل التنبيه بعدم مخالفة القوانين واللوائح. عند الزيارة، و اللقاء الذي يُعرض الموضوع المطلوب مناقشته، وقد يقرر عضو البرلمان إحالته إلى اللجنة المختصة أو تقديمه كسؤال في البرلمان، كما فعلت عضوة البرلمان عن حزب الخُضر عند طرحها قضية معرض رسوم أطفال الناجين من الإبادة الجماعية في السودان في يناير الماضي.
لكن ما حدث يوم الثلاثاء 25 فبراير 2025 كان مستهجنًا ومرفوضًا بكل المقاييس. كيف يُسمح لمستشاري مجرم حرب متورط في الإبادة الجماعية باستغلال منصة البرلمان البريطاني؟ من الواضح أن هؤلاء الأشخاص ضللوا السلطات عبر تقديم أنفسهم كمنظمة مدنية تسعى للسلام، بينما في الواقع، كانوا يمارسون الكذب والتضليل لخدمة أجندتهم السياسية.
تصريحاتهم لم تفضحهم فقط، بل وضعتهم في ورطة كبيرة، قد تؤدي إلى تداعيات قانونية، وربما تُعرض عضو البرلمان التي اجتمعت معهم للمساءلة، خاصة إذا تبين أنها دعمت، عن قصد أو جهل، شخصيات متورطة في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
استغلال هؤلاء الجنجويد لزيارتهم للبرلمان البريطاني من أجل الترويج لحكومتهم المزعومة لاستمرار في إبادة الشعب السوداني، يعد انتهاكًا صارخًا للقوانين الإنسانية والديمقراطية. فالمليشيا التي يدافعون عنها مسؤولة عن جرائم وحشية، بما في ذلك الإبادة الجماعية، ودفن المدنيين أحياء، واغتصاب النساء، وتدمير السودان ومقدّراته. هذه الجرائم تجعل من المستحيل على أي مؤسسة ديمقراطية أن تتساهل معهم أو تسمح لهم بالترويج لدعايتهم المضللة.
لذلك، فإن منظمات المجتمع المدني، وخاصة تجمع روابط دارفور في المملكة المتحدة، مطالبة بالتحرك العاجل لفضح هؤلاء المجرمين وكشف الجهات التي دعمتهم. وإذا كانت هناك أطراف في البرلمان تعرضت للخداع، فيجب توعيتها بحقيقة هؤلاء الأشخاص، أما إذا كانت متواطئة، فلا بد من فضحها أمام الناخب البريطاني حتى تفقد مصداقيتها وربما مقاعدها البرلمانية.
ما حدث داخل البرلمان البريطاني لم يكن سوى محاولة يائسة من مرتزقة مأجورين فقدوا أي صلة بالقيم الإنسانية، وتحولوا إلى أدوات لخدمة أجندات أجنبية. لكن رغم هذه المحاولات، فإن مصيرهم محتوم، إذ سيبقون مجرد أدوات منبوذة، بلا قيمة ولا شرعية، وسيظل التاريخ يذكرهم كخونة ارتبطت أسماؤهم بالإبادة الجماعية والدمار، والشعب السوداني لن يرحم و لن يغفر لمن خانوه.
