أيقونة  نضال المرأة  النازحه ومنارة الصمود لمدينة الفاشر عبير محمد عبدالنبي …!

محمد يوسف زكريا – كمبالا : كاتب 

دارفور… حيث النزوح ليس مجرد لحظة عابرة، بل مصير أجيال

  في قلب دارفور، حيث النزوح ليس مجرد حالة مؤقتة بل واقع ممتد لعقود ، نشأ جيل من النساء اللواتي لم يقتصر دورهن على المعاناة فحسب، بل تحوّلن إلى رمزٍ للنضال والمقاومة. فقد واجهت المرأة النازحة تحديات قاسية من فقرٍ و حرمان وتشريد ، لكنها لم تستسلم قط، بل وقفت بقوة في وجه الظلم، لتصبح نضالاً صامداً  تدافع عن أهلها وأرضها، وتحمل راية الكفاح في أصعب الظروف.

في معسكرات النزوح كأكبر شاهد علي الجرائم ضد الانسانية وعمليات التطهير العرقي الممنهج لجرائم الجنجويد ، والتي تحولت إلى مراكز للمعاناة لاكثر من ٢٠ عاما ، وُلد جيل من النساء لم يكن ضحايا فقط، بل محاربات يصنعن التغيير. وفي مدينة الفاشر ، آخر معاقل الصمود باقليم دارفور ، ظهرت مناضلة لم تتجاوز العشرين من عمرها، لكنها وقفت في مواجهة الموت بشجاعة منقطعة النظير ألا و هي المناضلة عبير عبدالنبي، التي خرجت من معسكر أبوشوك لتحمل راية المقاومة وتصبح أيقونة نضال المرأة الدارفورية ومنارة الصمود لمدينة الفاشر مقبرة الجنجويد .

عبير لم تكن فقط مجرد شاهد على الفظائع، بل كانت في قلب معارك الفاشر  ، تدافع عن أرضها بكل الوسائل الممكنة حاملة السلاح في وجه العدو ، حيث تذداد وتيرة  المعارك الشرسة ضد انتهاكات الدعم السريع ، كانت عبير في مقدمة الصفوف، تأبى أن تكون مجرد ضحية، بل محاربة تسعى للحرية، مؤمنة أن النزوح لم يُضعف عزيمتها بل زادها قوة،صوتها أصبح سلاحًا لا يُمكن إسكاتُه، ورمزًا للمرأة الدارفورية في مقاومة الظلم.

من معسكر ابوشوك انفجرت الثورة : 

    ولدت عبير عام 2005 في معسكر أبوشوك، لأبٍ ظلّ  يقاتل في صفوف المقاومة المسلحة حتي الان ، وأمٍ ناضلت لتوفير لقمة العيش لأسرتها. نشأت في بيئة قاسية، حيث لم يكن هناك طفولة حقيقية، بل معركة يومية من أجل البقاء.

    التحقت عبير بمدرسة السلام 2 بمعسكر أبوشوك، لكن الظروف لم تمهلها لإكمال تعليمها. عملت بائعة خضار في سوق حجر قدو، ثم بائعة شاي في سوق نفاشا، بعد أن أقعد المرض والدتها ماجدة محمد، التي كانت العمود الفقري للأسرة. وحتى اليوم، ما زالت عبير تتحمل مسؤولية علاج والدتها، حيث ترسل لها المال رغم انشغالها في القتال، لأنها تؤمن أن النضال الحقيقي يبدأ من الوفاء لمن صنعوا الصمود.

لحظة فارقة.. لماذا اختارت عبير حمل السلاح؟

   لم يكن قرار عبير بالانضمام للكفاح المسلح مجرد اندفاع أو حماس ثوري، بل جاء بعد لحظة فارقة لا تُنسى. في أحد أيام عملها في سوق نفاشا، حيث كانت تبيع الشاي، تعرضت عبير لتحرش وابتزاز من قبل أفراد من قوات الدعم السريع، ورأت بعينها كيف تُعامل النساء النازحات هناك وكأنهن بلا قيمة، بلا حماية.

تقول عبير عن ذلك اليوم:

“وقفت هناك، أنظر إلى النساء المكسورات، إلى نظرات الرعب في أعينهن، وشعرت بالعجز.. لكنني قررت أن لا أكون الضحية، قررت أن أقاتل.. لا من أجل نفسي فقط، بل من أجل كل امرأة نازحة أُهينت وسُلبت كرامتها.”

   في تلك الليلة، اتخذت القرار الذي غيّر حياتها إلى الأبد. في اليوم التالي، غادرت معسكر أبوشوك بصمت، وانضمت إلى حركة جيش تحرير السودان – قيادة الصادق الفكة، برفقة أربع نساء أخريات. لم يكن لديهن خيار سوى القتال من أجل البقاء.

معركة المحور الشمالي.. عبير تقود الهجوم

في معركة المحور الشمالي للفاشر اغسطس 2023 ، حيث حاولت قوات الدعم السريع التقدم باتجاه معسكر أبوشوك، كانت عبير هناك، في مقدمة الصفوف، جنبًا إلى جنب مع القائد الصادق الفكة.

كانت تلك واحدة من أصعب المواجهات، حيث كان النازحون في أبوشوك يدركون أن سقوط المحور الشمالي يعني سقوطهم في يد العدو. قاتلت عبير بشراسة، وانتقلت بين المقاتلين رافعة من معنوياتهم، تصرخ فيهم: “الفاشر ما حتسقط.. أبوشوك ما حيتدمر!”

وبعد ساعات من القتال العنيف، نجحت القوات المشتركة في طرد الدعم السريع من المحور الشمالي. وعادت عبير مع القائد الفكة إلى معسكر أبوشوك، حيث استقبلهم النازحون بالزغاريد والهتافات. كان المشهد مؤثرًا.. النساء تهتف، الأطفال يلوحون بأيديهم، والرجال يحيّون عبير والفكة كأبطال أنقذوا مدينتهم.

عبير.. القوة النفسية في وجه المحن

لم تكن المعارك الجسدية وحدها هي ما واجهته عبير، بل معارك نفسية أشد قسوة. حيث فقدت عبير شقيقها صافي النور محمد شهيدا بمعاك الفاشر بتاريخ ٤ ديسمبر 2024 ، صافي النور كان جنديًا برتبة عريف في الفرقة السادسة مشاة أيضا،  لكنها لم تنكسر بعد باستشهاد اخيه ، بل زادها ذلك اصرارا على مواصلة القتال.

  أصيبت عبير مرتان، الأولى في مايو 2024، والثانية في يناير 2025، لكنها رغم ذلك رفضت الانسحاب. 

تقول وهي على سرير العلاج بتاريخ 05-02-2025:

“هذه ليست إصابة.. هذا وسام على جسدي.. وسأعود للقتال قريبًا، لأن الحرب لم تنتهِ بعد.”

حلم عبير.. سلام حقيقي وعدالة لا مساومة فيها

  رغم أنها محاربة في الميدان، إلا أن حلم عبير الحقيقي لم يكن الحرب، بل السلام.. لكنها تريد سلامًا حقيقيًا، لا استسلامًا. تحلم بيوم يعود فيه النازحون إلى قراهم، بلا خوف، بلا سلاح، بلا ظلم.

تحلم بيوم يتم فيه محاسبة مرتكبي جرائم الإبادة الجماعية، الذين تسببوا في النزوح، الذين اغتصبوا النساء، الذين قتلوا الأطفال بلا رحمة.

تقول عبير:

“نحن لا نقاتل من أجل القتال، بل من أجل العدالة.. من أجل حقنا في أرضنا، في كرامتنا، في أن نكون بشرًا مثل غيرنا.”

عبير وأملها في المرأة النازحة.. “نحن المستقبل”

تقول عبير عن ذلك:

“المرأة النازحة ليست ضعيفة.. هي من حملت المعسكرات على كتفها، هي من صمدت رغم الجوع والخوف.. وهي من ستعيد بناء السودان يومًا ما.. أنا أؤمن بذلك.”

رسالة عبير الي رفاقه بميادين البواسل / الفاشر :

  “إلى رفاقي الجنود والمناضلين في مدينة الفاشر، وإلى كل من يحمل راية النضال في دارفور، أقول لكم: 

  شكرًا لكم من القلب على ما حققتموه من انتصارات عظيمة في الأسبوعين الأخيرين. لقد أثبتم أن الفاشر لا تُسقطها الرياح ولا تهزها التهديدات، بل يرفعها إصراركم وتضحياتكم. أنتم الأبطال الذين تحملون أمل دارفور، وكم هو شرف لنا أن نكون معًا في هذا الطريق.”

“أنا الآن في مرحلة العلاج، سأجري عملية جراحية في الأسبوع القادم لاستخراج طلقة ناري أصابتني في المعركة. لكن لا تخافوا! فإني بعد العملية، سأعود إليكم أقوى من قبل. إن معركتنا لم تنتهِ بعد، وأنا قادمة للقتال معكم داخل الفاشر، ولن تتوقف نضالنا حتى نحقق النصر الكامل.”

“أريدكم أن ترفعوا رؤوسكم عاليًا وتذكروا أننا كلنا في هذا معًا، وأن النصر حليفنا. الفاشر هي شنب الأسد، هي الأرض التي لا تقهر. أقول لكم: الفرقة السادسة مشاة فوق، القوات المشتركة فوق، والفاشر هي أرض الصمود والنضال. هي مقبرة الجنجويد، وكل من يحاول أن يهيننا سيجد نفسه تحت أقدامنا.”

خاتمة :

المناضلة هي ضمن ايقونات النضال  بمدينة الفاشر بصفة خاصة والسودان علي وجه العموم ،  والتاريخ سيكتب عن نضالاتها  بماء من ذهب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *