بقلم: د. مصطفى شرف الدين
أم درمان، ولاية الخرطوم — ٤ فبراير ٢٠٢٥
أسفر هجوم مدمر صباح يوم 1 فبراير في أم درمان بولاية الخرطوم عن مقتل ما لا يقل عن 54 شخصًا وإصابة 158 آخرين، بعد أن أصابت قذيفة أطلقتها قوات الدعم السريع سوقًا مكتظًا. وقد كانت العواقب كارثية، إذ واجهت الفرق الطبية في مستشفى النو، المدعوم من منظمة أطباء بلا حدود (Médecins Sans Frontières – MSF)، تدفقًا هائلًا من المصابين.
وصف الأطباء في المستشفى مشاهد مروعة مع وصول الضحايا على دفعات—رجال ونساء، صغار وكبار، يحملون إصابات خطيرة. امتلأت غرفة الطوارئ بسرعة، حيث شغل المرضى كل زاوية متاحة بينما كان الأطباء والممرضون يكافحون للتعامل مع تدفق الجرحى. وصف الشهود أجواءً فوضوية ومفجعة، حيث كان أفراد العائلات يبحثون بلهفة عن أحبائهم بين المصابين والضحايا.
وقال كريس لوكيير، الأمين العام لمنظمة أطباء بلا حدود، الذي كان حاضرًا في مستشفى النو عند بدء وصول الضحايا، إنه رأى الوضع في أسوأ حالاته.
“أرى حياة الرجال والنساء والأطفال تتحطم أمام عيني، مع وجود المصابين في كل زاوية من غرفة الطوارئ بينما يبذل الأطباء ما في وسعهم. هناك العشرات من الأشخاص الذين يعانون من إصابات مدمرة؛ والمشرحة ممتلئة بالجثث”، صرّح لوكيير. “ما أراه أمامي هو مشهد مذبحة تامة، ومثال مأساوي آخر لهذه الحرب المستمرة ضد المدنيين.”
نظام يوشك على الانهيار
يأتي هذا الهجوم في ظل أزمة إنسانية متفاقمة، حيث يعاني نظام الرعاية الصحية في السودان من ضغوط هائلة بسبب النزاع المستمر. تكافح المستشفيات في ولاية الخرطوم مع نقص حاد في الإمدادات الطبية، والكوادر، والبنية التحتية العاملة. وقد تعرضت العديد من المنشآت الصحية لهجمات مباشرة أو أُجبرت على الإغلاق بسبب العنف المستمر، مما حرم المدنيين من الوصول إلى الرعاية الطبية المنقذة للحياة.
أصبح مستشفى النو نقطة رعاية حيوية لأولئك العالقين في مرمى النيران، لكن الأعداد المتزايدة من الضحايا تهدد بعرقلة قدرته على العمل بفعالية. وقد دعت منظمة أطباء بلا حدود مرارًا إلى حماية المدنيين والمنشآت الطبية، وحثت جميع الأطراف المتحاربة على احترام القوانين الإنسانية الدولية.
الثمن البشري للحرب
يكشف هذا الهجوم الأخير عن التجاهل المستمر لأرواح المدنيين في النزاع السوداني. ومنذ أبريل 2023، تخوض قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية معارك شرسة، وكان المدنيون هم الضحايا الأكبر. أصبحت الأسواق والمناطق السكنية وحتى المنشآت الطبية أهدافًا متكررة، مما فاقم الوضع الكارثي بالفعل لملايين الأشخاص في جميع أنحاء البلاد.
أدانت وزارة الصحة الهجوم ودعت إلى تدخل دولي عاجل لحماية السكان المدنيين والبنية التحتية الطبية. ومع ذلك، ومع عدم وجود حل واضح في الأفق، يستمر شعب السودان في تحمل معاناة لا توصف.
دعوة للعمل الإنساني
الهجوم على سوق أم درمان ليس حادثة معزولة، بل جزء من نمط أوسع من العنف الذي يعصف بالسودان. تكافح المنظمات الإنسانية لتقديم المساعدات بسبب المخاطر الأمنية والقيود المفروضة على الوصول. وتدعو منظمة أطباء بلا حدود وغيرها من وكالات الإغاثة المجتمع الدولي إلى الضغط على جميع الأطراف المتحاربة للسماح بتسليم المساعدات الطبية بأمان وضمان حماية المدنيين في مناطق النزاع.
ومع دخول الحرب في السودان عامًا جديدًا، تزداد الحاجة إلى وقف فوري لإطلاق النار ومفاوضات جادة بشكل أكثر إلحاحًا. فمصير الآلاف، خاصة أولئك الذين يعتمدون بشكل كبير على نظام الرعاية الصحية المتداعي، ما زال معلقًا في الميزان.
