الانتصارات المتراكمة وحتمية تحرير البلاد من دنس الجنجويد

حسين بَقَيرة – كاتب سوداني بالمملكة المتحدة

تُعدّ معركة الكرامة السودانية واحدةً من المعارك التاريخية الفارقة في العصر الحالي، حيث سطّر الشعب السوداني ملحمةً من التلاحم والتضحية والوفاء، مُجسّدًا صورة وطنية فريدة من نوعها. فقد وقف الشعب صفًا واحدًا خلف قواته المسلحة والقوة المشتركة، وجميع التشكيلات العسكرية الأخرى، في حرب مصيرية تهدف إلى الحفاظ على وحدة السودان وسيادته. هذا الالتفاف الشعبي العفوي قطع الطريق أمام المخططات التي تُحاك ضد البلاد من قِبَل الميليشيات وأعوانها.

لقد لبي االسودانيون، خاصة شباب حركات الكفاح المسلح، للانضمام إلى هذه المعركة دون تردد، رغم تاريخهم الطويل في النضال ضد الأنظمة السابقة. والسبب في ذلك يكمن في شعورهم العميق بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية، وإدراكهم لحجم الخطر الوجودي الذي يمثله الجنجويد على السودان. هذه اللحظة الفاصلة أظهرت معادن الرجال الحقيقيين، فكانت التضحية هي الخيار الوحيد لحماية الوطن من الانهيار.

من المشاهد الفريدة التي تستوجب التوثيق، هو توافق الجيش السوداني مع حركات الكفاح المسلح، دون شروط مسبقة، على هدف واحد: حماية البلاد من خطر الإبادة والتقسيم. لقد أدركوا جميعًا أن الجنجويد لا يمثل تهديدًا لفصيل دون آخر، بل هو خطرٌ يهدد وجود الإنسان السوداني نفسه. وهكذا، تلاشت الخلافات، وتوحد الجميع تحت راية الوطن، متجاوزين جراح الماضي في سبيل مستقبلٍ آمن ومستقر.

ما قدّمه شباب حركات الكفاح المسلح، وقوات “قشن”، والقوات الأخرى الداعمة، من تضحياتٍ جسام، يُعدّ درسًا خالدًا في الوطنية والإيثار. لا يمكن حصر أوصاف بطولاتهم في كلمات أو مجلدات، خاصةً أولئك الذين ارتقوا شهداء فداءً لهذا الوطن. لقد رووا أرض السودان بدمائهم الطاهرة، ليحيا من تبقى من أبناء الشعب في وطنٍ حرٍ عزيزٍ وموحّد. أما أولئك الذين لا يزالون قابضين على الزناد في ميادين القتال، سواءً في الصحارى أو في فاشر الصمود أو غيرها من المحاور، فهم قصة أخرى من الإقدام والتفاني، سيسجلها التاريخ بأحرفٍ من ذهب.

منذ بداية الحرب، راهن أعداء الوطن على سقوط مدينة الفاشر خلال عشرة أيام، كما ادّعى أحد عرابي الجنجويد، “د. وليد مادبو”، إلا أن الواقع كان صادمًا لهم؛ إذ تحولت الفاشر إلى مقبرة لقادة الميليشيات. لم تتوقف الأوهام عند هذا الحد، بل جددوا تهديداتهم بإسقاط المدينة خلال 48 ساعة، لكن النتيجة كانت استمرار الهزائم المتتالية لهم، حتى اضطروا إلى الهروب، تاركين خلفهم معداتهم وأحذيتهم.

ومع تصاعد خسائرهم، لجأوا إلى أساليبهم التقليدية من ممارسات الشعوذة والدعاية الفارغة،( خلع السراويل ) لكنها لم تُجدِ نفعًا. ففي كل محور، وخصوصًا في محور الصحراء والفاشر، تتوالى هزائمهم، وتتقدم القوات السودانية و القوة المشتركة و قوات قشن لمطاردتهم ودحرهم إلى مخابئهم.

ما نشهده اليوم من انتصارات متراكمة هو نتيجة طبيعية لوقوف الشعب السوداني صفًا واحدًا مع قواته المسلحة. لقد قدّم شباب القوة المشتركة نموذجًا نادرًا في الفداء والإبداع العسكري، خصوصًا في معارك الصحراء، حيث برعوا في تكتيكات قتالية استثنائية، مثل المواجهات المباشرة بين المركبات( كروزر فوق كروزر، تيوتا يلاقي تيوتا و)، ما يستدعي دراستها والاستفادة منها عسكريًا على المستوى المحلي والدولي.

أضحت أخلاق هذه القوات مثالًا يُحتذى به، سواء في تعاملهم مع رفاقهم أو حتى مع الأسرى، مما يعكس قيمهم المتجذرة التي ورثوها عن أجدادهم. إنهم يدركون أن المعركة ليست فقط بالسلاح، بل أيضًا بالالتزام بالمبادئ والأخلاق النبيلة.

إن مسيرة الشعب السوداني في هذه الحرب تثبت أن النصر حليف الإرادة الحرة، وأن المرتزقة والميليشيات مصيرها الزوال. ومع تواصل الانتصارات، فإن السودان يسير بثبات نحو تطهير أراضيه من دنس الجنجويد وأعوانهم، ليعود الوطن شامخًا موحدًا، بإرادة أبنائه الشرفاء، و إرادة الشعوب لا تقهر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *