عادل عبد العاطي – كاتب و ناشط سياسي سوداني
تشكل الحرب الحالية في السودان مفترق طرق للبلاد على مستويات كثيرة : سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية وفكرية الخ . لذا اذا اردنا لها ان تكون آخر الحروب في البلاد فلا بد ان نستخلص منها الحكمة المرة التي تعيننا على السير للامام واستشراف مستقبل افضل.
ان آثار هذه الحرب اللعينة من قبل مليشيا الدعم السريع على الشعب السوداني خطيرة ومتعددة، وقد استفادت المليشيا الاجرامية ومن يقف وراءها من مختلف الازمات والغبائن التازيخية في السودان ومن بينها العنصرية والتنمية غير المتوارنة والتهميش لتبرر لحربها وجرائمها، فكانت تطلق شعارات عبيطة مثل دولة ٥٦ ، وهي تريد بها باطلاً وهو بناء دولة اسرة واحدة في البلاد: آل دقلو .
ولكن لأن بلادنا تعاني من الجهل والتخلف والفقر والبطالة، ولإن احزابنا السياسية غير راشدة وغير مسؤولة، ولا تشكل قضايا المواطن اياً من اهتماماتها، وبسبب سياسات الإنقاذ التدميرية، وسير سلطات ما بعد ٢٠١٩ عليها وقع الحافر على الحافر ، انخدع بعض ابناء شعبنا في مختلف أقاليم البلاد بهذه الشعارات الكاذبة للمليشيا الاجرامية، وأنضم بعضهم لها مقاتلين في صفوفها او متعاونيين، بينما اغرى المال بعضهم، وتعاون معها البعض خوفاً على انفسهم او أهلهم.
كان من بين هؤلاء المخدوعين بعض من سكان الخرطوم وبعض من سكان الشمال وبعض من شباب البطانة وبعض من سكان غرب السودان، وكان بينهم ايضاً بعض من الشباب من سكان الكنابي.
لقد تابع كاتب هذه السطور قضية الكنابي لاكثر من عشرين عاماً، وخصوصاً بعد تأسيسي الحزب الليبرالي في عام ٢٠٠٣، حيث كنت قبل ذلك اجهلها مثل اغلب سكان البلاد، ورغم اني كنت ناشطاً سياسياً في احزاب وحركات ادعت انها تقدمية ولكنها لم تول هذه القضية اي اهتمام، مثل الحزب الشيوعي السوداني، او تعاملت معها بمنطق نفعي، مثل قوات التحالف السودانية.
في هذا الاطار قمت ومنذ العام ٢٠٠٧ بزيارات منتظمة لمختلف الكنابي وخصوصاً في ولاية الجزيرة، حيث رأيت مدى التهميش والمعاناة والاقصاء الذي تعرض له اهلنا من سكان الكنابي من طرف الدولة السودانية، والذين ساهموا اسهاماً كبيراً في النهضة الاقتصادية للمشروع والسودان ، ولاحقاً عندنا انضموا لاعمال التعدين في مختلف مناطق السودان وبعد انهيار مشروع الجزيرة بفعل سياسات الانقاذ الخربة.
لقد ولدت الغالبية العظمى من سكان الكنابي الحاليين في الكنابي، وهم بهذا المعنى مواطنون اصيلون في ولاياتهم ومجتمعاتهم، رغماً عن انف كل العنصريين، ورغم انهم لم يمتلكوا الارض ، الا انهم فلحوها واحبوها، وعاشوا بصورة عامة في تناغم وسلام مع بقية المجتمعات المحلية، في ارض الجزيرة الطيبة والمعطاة.
لقد قدمنا في حملة سودان المستقبل تصورات مختلفة لمعالجة قضايا الكنابي، والتي يشكل وجودها بشكلها الحالي وصمة عار على جبين الدولة السودانية، فكان ان اقترحنا قيام مشروع الجزيرة ٢ واستصلاح وتخطيط ١ مليون فدان جنوب كنانة للشباب من اهل الكنابي الراغبين في امتلاك اراضي وفلاحتها، وكذلك طرحنا اعادة التخطيط الحضري للكنابي وادخال الخدمات الاساسية فيها، وبناء صناعات تحويلية على تخومها، تؤدي الى تنميتها وتنمية كامل ولاية الجزيرة والسودان.
كما دعمنا في الحملة خطط تطوير التعليم والتدريب المهني لبنات وابناء الكنابي، بما يرفع من قدراتهم ويؤهلهم، وايضا طرحنا قضايا تطوير التعدين الاهلي الذي يشارك فيه حالياً العديد من ابناء الكنابي، وبما يؤدي لاصلاح حال المعدنيين وحمايتهم من الاستغلال، ورفع الجدوى الاقتصادية لهذه النشاطات، واستفادة المجتمعات المحلية وعموم البلاد منها.
كل هذه الخطط لم تجد حظها من التطبيق بسبب رفض الاحزاب الرثة لطريق الانتخابات وتسليم الشعب قراره والوصول الى السلطة عن طريق الصندوق وبناءاً على البرامج، والتحالف بدلاً من ذلك مع الجنرالات والمليشيا وممارسة الاستقطاب الجهوي والقبلي، مما ادى فيما أدى الى الحرب الحالية.
تسبب هذا النهج البئيس أيضاً لتعرض اهل الكتابي لاستقطاب حاد بعد ١١ ابريل ٢٠١٩، حيث عملت قيادات وقوى كثيرة غير راشدة لاستقطابهم خدمة لاهدافها الضيقة، وكان من بين هولاء المليشيا المتمردة الأجرامية، وخصوصاً بعد حربها اللعينة على الشعب السوداني التي اطلقتها في ابريل ٢٠٢٣م.
وبقدر ما انضم بعض شباب الكنابي للمليشيا المجرمة، انضم الالاف منهم للجيش والقوات المشتركة والمقاومة الشعبية، بينما عاشت الاغلبية من اطفال ونساء ورجال الكنابي حياتهم العادية تحت احتلال المليشيا بلا حول لهم ولا قوة، ولا قدرة لهم على الهرب ، حيث لا يملكون لا الموارد للسفر، ولا الى اين يذهبون.
ان هجوم بعض العنصريين من امثال عمسيب واشباهه على اهل الكنابي ، وخطاب الكراهية الذي يشنونه عليهم، والدعوات لتصفية اهل الكنابي، بل وحرق كنبو ٥ بأم القرى، يتطابق تماماً مع خطاب وممارسات المليشيا العنصرية، ووصفها شعب ومواطني الجزيرة بالفلول، تبريرا لجرائمها ضدهم. فهل قاتلنا المليشيا ودفعنا في ذلك الدم الطاهر الغالي لنعود ونمارس ممارساتها؟.
في اللحظة الحالية يغدو واجب الدفاع عن المدنيين والمستضعفين من اهل الكنابي الواجب المقدم. وهذه مسوولية الدولة في المقام الاول، عبر مؤسساتها من جيش وشرطة وامن، فإن عجزت عن ذلك يجب ان يتصدى كل انسان شريف لهذا الواجب المقدس، دفاعاً عن الابرياء اولاً، وحتى لا تتلطخ كرامة وسمعة السودان والسودانيين بممارسات المجرمين ثانياً.
هذا طبعا لا يعني اعفاء اي مجرم من المسوولية. فكل من قاتل مع المليشيا او تعاون معها يجب محاسبته وفقاً لحجم جرائمه ومسؤوليته، امام القضاء العادل، ان كان من اهل الجزيرة و الكنابي او البطانة او الشمال او الشرق الخ، فالجريمة فردية والمسؤولية فردية، و(الا تزر وازرة وزر اخرى).
أما على المستوى الاستراتيجي، فلا بد من صياغة معالجات وطنية لقضية الكنابي وسكانها، وفي اطار تعزير السلم الاهلي وثقافة المصالحة والوحدة الوطنية واحترام الكرامة الانسانية، حيث ان الابقاء على هذا الوضع المزري هو عار على البلاد، وقنبلة موقوتة تهدد بالانفجار.
ومن هنا لا بد من نقاش تطوير حال مواطن الكنابي كمواطن للحزيرة والسودان له كل الحقوق وعليه كل الواجبات ، وفي اطار خطط اعادة بناء البلاد بعد الحرب، والتأسيس للسودان الجديد العادل، وضمن برامج وخطط تنموية شاملة تنهض بالجزيرة وعموم السودان، وتعوض اهل الكنابي واهل الجزيرة والسودانيين عن عذابات الحرب التي تعرضوا لها .
