مأمون التلب
ملاحظة الفنان شاكر حامد هذه تستحق الانتباه الشديد، إذ ما سيُكتب عن هذه المحنة المتواصلة لا بدَّ أن يرى بدايات تشكّل المفاجآت الشعبيّة المُذهلة. أنا متفائل، ولكنني واقعيٌّ أيضاً؛ مُتفائل ربّما لجذورٍ فيَّ، فكريَّة مُستقاة من معارف الأستاذ محمود محمد طه، تُعرّف الجحيم بـ”المُعلِّم”، وأضيف من عندي: الرحيم. قد كان لا بدّ أن يَعبرنا جحيمٌ ما -كأهل خرطوم- مادام ظلّ مُشتعلاً فيما حولنا طوال حياتنا.
(5)
في عالمٍ موازٍ يكتب المُغيرة حسين حربية شِعراً (الطيور لا تُغادر، لتعود):
في هذه الحرب،
رأيت طيور الطفولة تعود،
ملونة وبريئة،
وتأكل من خشاشِ قَلبي؛
ربما عادت،
لأن الناس هجروا البيوت.
فقط من حينٍ لحين يُفزِعُها قصف المدافع،
وتلصُّص العابرين.
عادت خفيفة،
ولا تَحملُ أدنى ذكريات،
فقط الغناء القديم على شفتيها،
ورائحة البحر،
ولا تَفهَمُ مَكرَ البارود والرصاص.
الطيور حبيبة حين تعود؛
أوان البحر،
أو الحرب،
وتغني
وحيدة للبيوت المهجورة
والشجر المقصوف.
وَحدَها الطيور أشجع الأسماء التي تسكن المدينة، في الحرب.
نحن العصافير الجائلة في البرية
لا نثق بشيء أو أحد
تُفزِعُنا إيماءة مفاجأة؛ فنطير،
دون وجهة،
لأننا تعلمنا،
أن الحرب كلها موجهة ضد الطيور والعصافير.
يلوموننا،
أن عصافيرنا غيرَ ملوَّنةٍ كفايةً،
لا يزهو ريشُها حين تُحلِّق،
لا تطير بعيداً.
يقولون، حجمها صغير،
ولم تتعلم الرقص بعد؛
يسقط بيضها لأنها تبني أعشاشها في الفراغ
لا تحسن التزاوج
ولا تغرد سوى عند الضرورة.
يقولون؛
عصافيركُم شقية لأنكم بلا آلات موسيقية مُنَوَّعة
ونساؤكم بليدات في الحب
لا يحترفنَ طباخة العطور في المنازل،
ولا يربّين الورد والعصافير.
يقولون الكثير؛
ولا يعرفون أننا نربّي العطر والنساء والطيور في زاوية القلب
لنجنبهم الحرب
والأشجار اللاجئة
ونُطعِمُ العصافير من نَوَافذ الأنهار.
(7)
في عالمٍ موازٍ، رأيت تاجر البصل في الفيديو، مَغروزاً وسط تلالٍ من البصل الأحمر، وفي يدهِ “ملوة” كبيرة، ويعبث بيده الأخرى بالبصل المترامي أمامه ويعرض أسعاراً مخفّضة، ولكنّه، في نهاية عرضه السخي يقول: وللناس الجايين من الخرطوم البصل مجَّان، تَعَال شِيل بَصَل حَلَّتَك مجّان، كل يوم لو عايز، بالمجَّان”. هذا هو الوجه المُخيف لبلاد السودان؛ هذه الوجوه التي تتكاثر في أوقات الشِدَّة والذُلِّ والهَوَان: صُورٌ جانبيَّة لوجوهٍ سودانيَّة.
