مدن الجفاف و الجبال و الساحل

أميمة عبدالله

يقولون

لا يمكن أن تهزم شخصًا يعرف كيف يتجدد، كيف يجد الدهشة والحب في ذاته أولًا، من يعرف قدراته وقدره يعرف كيف ينجو من الهزائم، وكما يقال لن تهزم شخصًا يصنع نفسه كل يوم

هكذا هي الحياة أملُ لابد أن يتجدد

و أن تتغير من حولنا الأقدار و الظروف و الأحداث ، والشخص المحظوظ من فطن لحظة التغير و أحسن إلتقاطها ، و الشعوب المحظوظة هي التي تستطيع أن تطوع أسوأ حروبها لتخرج منها سليمة و أن تُخضع نكباتها إلى حسابات جديدة تصنع معها فرص تغير حقيقي و أن تروض ظروفها القاسية لتنجو

و أن تنتبه

ضروري أن تنتبه لتراكم السنوات المظلمة على عاتقها

ضروري أن تنتبه لغفلتها

ضروري أن تنتبه للتغير

هذه البلاد الممتدة لكل مكانٍ فيه قصة و ظلم و تأخر و نقص حياة و ضياع حقوق

تراكم سنوات مظلمة و كأن الحكومة لا ترى شعبها و كأن ولاة الأمر في مدارٍ مختلف

كأنهم لا يروننا كشعب

الآن وقعت الحرب و هتكت الحجاب الداكن الذي كان يشغلها عنا بمضارباتها الخاصة و تثبيت مناصبها و نزاعاتها الداخلية

و الحكومات يذهب ربحها عندما تتنازع فيما بينها

الآن فاقت من غفوتها

لترى وضعنا البائس لتنتبه أنها ما صنعت مكاناً في السودان غير العاصمة المنكوبة الآن

الحكومة الآن رأت ولاياتها المازومة بنقص الخدمات و طرقاتها ذات الحفر و مدنها ذات الجفاف

و ليس كالشرق مكاناً في الشح رغم الساحل و البحر ، كل شئ في شرق البلاد شحيح ،

هيا و سنكات ودرديب و دلاو و اركياي و أوسيف و عقيق

بؤس الحال هنا له الف وجه و شكل

و البؤس يجعل الملامح باهتة و القوام ضامر نحيف

حتى ظل الشجر هنا شحيح حتى الساحل حتى الأرض

فلا مرعى هنا و لا خضرة و لا ماء عذب

أرض جافة و جبال راسخة عالية شامخة و مخيفة و أهلها من بين طيات الصخور تراهم كما السراب من بعيد

يتجولون و كأنهم خيال بشر ، وسط درجة حرارة لهب في شهور الصيف القاتلة يجلسون تحت رواكيب مفتوحة من كل الإتجاهات للسموم

قسوة الطبيعة هنا حولت الأوقات إلى سلسلة متصلة من التعب و المعاناة و الجهد

، تنهزم المجتمعات عندما تتحول أساسيات الحياة إلى أحلام صعبة المنال و التحقق و أن يتمنى الصغار المدرسة و الكتاب و القلم ، حقهم ، ومازال عصياً على التحقق

لا شئ هنا غير القهوة يقاومون بها شح كل شئ من حولهم

و يا حسرة على النساء هنا و تعبهن و سكنتهن في لا بيوت ، رقراق و خيمة و صندوق خشب متهالك

جلودهن مرهقة من لهب الشمس و نقل الماء

النساء هنا يقاتلن الطبيعة و الجفاف و شح الحياة و الإنطفأ و الهجير و المرض و هزال ابنائهم

انا لا اتحدث عن مدينة بورتسودان انا اتحدث عن مدن الجفاف في طول الشرق تلك المدن التي ينقبض قلبك حزنا عليها

امّا آنّ للشرق أن يتوحد من أجل إنتزاع الحياة و الحق في العمار و العمران و التنمية

اما آنّ لإنسانه المتعلم أن يثور في وجه القفر و الفقر و الجدب لينجو بأهله

الآن وضح وجه البلاد الذي كان يخفيه سفر المسؤلين بالطائرات و بأن

و إنكشف عندما قامت الحرب جرفت معها زيف العاصمة و عمى حكومتها عن قضايا البلاد و تجاهل الحقيقة و ليست كل الحرب شر ،ففي باطنها ربما حياة جديدة و إرادة و وطنيون غيورون على الوطن و قادةُ جدد

الآن حان وقت الشرق لينهض و أن تُقام فيه إستثمارات حقيقية و ليست ظالمة لأهله في البحر والساحل و الجبل

آنّ لهم أن ينتبهوا لمن يبيع فيهم و يشتري بقضاياهم ، آن لهم أن يتوحدوا في وجه من يخدعهم و يطعنهم في ظهر ثرواتهم

الآن لا بد أن يضع أبناء الشرق أيديهم و أن يتوحدوا فالمرحلة القادمة مرحلة توحد و إتحاد لبناء البلاد من جديد

والناس هم القوة و الثروة قبل المال

لا مشكلة في السقوط ، فقد سقطت هذه البلاد بعيداً في حفرة الظلمات و عميقاً في التأخر و التناحر و الإقتتال

المشكلة في تأخر النهوض مجدداً و عجز التفكير و خيانة الوطن و ضعف الإرادة و إهدار فرص التنمية و التعايش الحقيقية

لا بد أن ننتبه لبلادنا و نراعي حق الله فيها و حق الوطن

قلوبنا مع الشرق حتى يرى نور الحياة و يبتهج بالساحل و البحر و شروق شمسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *