خبث الساسة في السودان: التعايشي نموذجًا للانتهازية السياسية

حسين بَقَيرة – كاتب سوداني بالمملكة المتحدة 

علماء السياسة يضعون النظريات بهدف خدمة الشعوب وتطوير المجتمعات، لكن الساسة هم من يجني ثمارها عندما يمارسون السياسة بأخلاق وقيم حقيقية، واضعين مصلحة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار.

غير أن السياسة في السودان تحوّلت، وللأسف، إلى مهنة رخيصة يمارسها بعض ضعاف النفوس الذين يتخذونها سلّمًا لتحقيق مصالحهم الذاتية، دون أدنى اكتراث بما يلحق بالمجتمع من ويلات وعواقب وخيمة.

لقد تسلّق محمد حسن التعايشي – المنتمي إلى مليشيا الجنجويد – رقاب الشعب في لحظة فارقة من تاريخ البلاد، مستغلًا دماء الشهداء، ومتنكّرًا في هيئة مناضل سياسي شاب خدع الكثيرين، حتى حظي بثقة غالبية أبناء الهامش، وتمّ تعيينه عضوًا في المجلس السيادي إبان ثورة ديسمبر المجيدة 2019. لكن سرعان ما ظهرت ميوله الحقيقية نحو الجنجويد، خاصة بعد أحداث كولقي الشهيرة 2021، حين ذهب برفقة الجنجويدي عبد الرحيم دقلو وسليمان صندل، وشارك ثلاثتهم في طمس معالم الجريمة وإخفاء الأدلة في مسرحية سمجة. ومنذ ذلك الحين، أيقنت أنه لا يمثل شباب الخارج و لا الشعب السوداني، بل يمثل مليشيا الدعم السريع، وهو ما أثبته التاريخ لاحقًا بعد الخراب والدمار الذي حلّ بالمؤسسات والبلاد.

الوصول غير المتوقع إلى موقع سيادي – لم يكن ليحلم به يومًا – جعل التعايشي أكثر تمسكًا بالسلطة وتشبتًا بها، حتى لو كان الثمن خيانة العهد والوطن. ومن أبرز مظاهر خبثه السياسي تحوّله العلني إلى جنجويدي بعد أن كان يخفي ولاءه خلف ستار الحياد الزائف، مدفوعًا بإدمانه السلطة وبريقها، وسعيه الدؤوب لتحقيق أهدافه الشخصية عبر انتهاج سياسة انتهازية صريحة.

اليوم، يقف التعايشي على رأس ما يسمى “حكومة الجنجويد الوهمية” التي أُعلنت (اسفيريا ) على استحياء يوم 26/07/2025، وتتكون من مجموعة من الانتهازيين الذين فقدوا الأمل في الوطن والشعب، فآثروا العيش على الأوهام، غير مدركين إن كان رئيس مجلسهم حيًا أم ميتًا. إنها حكومة بلا أرض، بلا مؤسسات، بلا شعب، ولا تجد من يؤيدها سوى الجنجويد أنفسهم. إنها حكومة مردودة لا محالة، سينتهي بها المطاف إلى مزبلة التاريخ، كما انتهى مؤسس الجنجويد (حميدتي)، وكما يترنّح الأب الروحي للجنجويد فضل الله برمة نحو نهايته وهو يناهز التسعين عامًا، مكشوف الستر، نال عقوبته قبل الرحيل.

إن الجنجويدي محمد حسن التعايشي يمثل نموذجًا حيًا لخبث الساسة في السودان المعاصر، فهو يعتلي السلطة مستخدمًا سياسة “الغاية تبرر الوسيلة”، غير قادر على العيش دونها، حتى ولو كانت سلطة وهمية. ومصيره  كسائر الخونة والانتهازيين إلى مزبلة التاريخ، سوف يختفى من المشهد كما حدث لكبيره حميدتي، أو يظهر في العلن رئيسًا لوزراء حكومة افتراضية لا وجود لها إلا في الفضاء الإلكتروني، إلى أن تضمحلّ تدريجيًا وتموت. وهذا جزاء كل خائن وانتهازي، نراه قريبًا وهم يرونه بعيدًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *