بقلم صلاح يعقوب – كاتب
حين عاد خالد الإعيسر إلى وزارة الثقافة والإعلام والسياحة، بعد أشهر قليلة من خروجه منها إثر التغيير الحكومي الذي جاء بكامل إدريس رئيساً للوزراء في أبريل ٢٠٢٥، بدا الأمر كما لو أن الملفات قد أعيدت إلى ذات اليد قبل أن تُستكمل القراءة. ومع أن العودة نفسها تمنح فرصة ثانية نادرة، إلا أن حجم التحديات يجعل من هذه العودة امتحاناً لا يُحتمل فيه التكرار ولا يُجدي فيه التجميل.
منذ اندلاع الحرب في أبريل ٢٠٢٣، كان الأداء الإعلامي الحكومي هشاً ومفتقراً إلى الرؤية. ليس بسبب ضعف الإرادة أو غياب الإمكانات فقط، بل لأن البنية ذاتها كانت خاوية من الإعداد المهني، ومرتبكة بين الرد على الدعاية المضادة وبين تقديم خطاب وطني متماسك قادر على مخاطبة الداخل والخارج في آنٍ واحد. لم يكن للإعلام السوداني الرسمي حضور يُعتد به في المشهد الإقليمي والدولي، حتى عندما أتيح له أن يقول كلمته بعد تحرير مدينة مدني، ظل الصوت خافتاً والرؤية غير متبلورة.
الوزارات السيادية والمؤسسات الخدمية ظلت حتى الآن بلا حسابات فاعلة على منصة “إكس” (تويتر سابقاً)، وهذه ليست مجرد مسألة شكلية تتعلق بالعصر الرقمي، بل جوهر من جواهر الدولة الحديثة التي تخاطب شعوبها أولاً عبر هذه المنصات، وتدير جزءاً من صورتها الخارجية من خلالها. الحسابات الرسمية إما غائبة أو بلا محتوى أو ميتة من حيث التفاعل. وهي، في لحظة حرب وجودية، ليست ترفاً إعلامياً بل ضرورة استراتيجية.
أما الصحافة، فقد انكمشت إلى الحد الذي لم تعد فيه ساحة تتصارع فيها الأفكار أو تتراكم فيها المعرفة أو تُصاغ فيها المواقف الوطنية. غاب الكتّاب الجادون، أو تواروا تحت قصف اليوميات، وتبدلت المقالات التحليلية إلى اجترار بيانات، وغلبت التغطيات الميدانية البدائية على كل ما عداها. فُقد الحس المهني في كثير من المواضع، ولم يعد يُسمع من الوزارة إلا صدى صوتها المنعزل.
وفي خضم هذا الفراغ الإعلامي الرسمي، تبرز ملامح تحدٍ جديد لا يمكن تجاهله: فقد أفادت مصادر موثوقة أن مليشيا الدعم السريع بصدد إطلاق محطة تلفزيونية من دولة الإمارات، ربما من مدينة دبي للإعلام، التي راكمت خبرة واسعة في صناعة المحتوى وإدارة المؤسسات الإعلامية خلال العقود الثلاثة الماضية. وتشير ذات المصادر إلى أن المليشيا قد شرعت فعليًا في التواصل مع عدد من الإعلاميين السودانيين والعرب، وأن القناة في مراحلها الأخيرة من الإعداد، وتتمتع بإمكانات تقنية وتمويلية ضخمة، بدعم مباشر من دوائر إماراتية نافذة، خاصة في أبوظبي. إن صح هذا، فإنه يمثل منعطفًا خطيرًا في المشهد الإعلامي، ويجعل من مسؤولية الوزارة القائمة أكثر جسامة، لأن المواجهة المقبلة لن تكون محصورة في ساحات القتال، بل في الوعي الجمعي والرأي العام والشرعية الخطابية.
في هذا السياق، فإن عودة الإعيسر، وهو صاحب خلفية إعلامية مشهودة وتجربة ممتدة في مؤسسات إعلامية مختلفه، لا يجب أن تُختزل في تنشيط دائرة صحفية أو إعادة إصدار صحيفة رسمية. عليه أن يفكر في تكوين بنيات جديدة من الأساس، تبدأ من إعادة تعريف وظيفة الإعلام في الدولة، ولا تنتهي عند تأهيل الكوادر التي تعمل فيه. لا وجود لصوت بلا تدريب للشباب، ولا أثر لصورة بلا رؤية. والوزارة حتى الآن لم تطلق برنامجاً واحداً لتأهيل الصحافيين أو العاملين في المؤسسات الإعلامية بما يتناسب مع التحولات المهنية والتقنية في العالم. التدريب هنا ليس رفاهية، بل شرط من شروط إعادة التوازن للمشهد العام، خصوصاً في بلد يخوض معركة وجود على أكثر من جبهة.
الوزارة كذلك بحاجة إلى مركز معلومات يعمل على مدار الساعة، يرصد الخطاب المضاد، يدرسه، ويرد عليه بلغته وأدواته. هذا يتطلب أن يكون هناك فريق تحليلي حقيقي داخل الوزارة، لا مجرد موظفين ينتظرون التوجيه. المسألة لا تتعلق بالدعاية، بل بالحقائق، وبالقدرة على تقديم السودان كما هو لا كما يُراد له أن يُصوّر. في ظل الحرب، تتراجع الجيوش أحياناً، ولكن الدول لا ينبغي أن تتراجع عن الدفاع عن صورتها.
النصيحة الجوهرية التي يمكن توجيهها للإعيسر هي أن يبني الوزارة كما لو أنه لن يغادرها غداً، ولكن يعمل كما لو أن لا وقت للانتظار. كل يوم تأخير هو يوم يُترك فيه الرأي العام الداخلي والخارجي رهينة لما تبثه منصات مليشيا الدعم السريع وحلفائها. ومع أن الوزير لا يصنع المعجزات، إلا أن الخطوة الأولى دائماً بيده: تكوين الفريق المناسب، بناء الأجندة الواقعية، والاعتراف بأن الإعلام لا يُدار بشعارات، بل بالمعلومة، والخطة، والوضوح.
التكليف الذي صدر بالأمس ليس استمراراً لما سبق، بل بداية جديدة في ظرف مختلف. الحرب طالت، والناس تعبوا، والمؤسسات هُشمت، والدولة تُعاد صياغتها يوماً بيوم. في هذا الظرف، لا يكون الإعلام مجرد وسيلة، بل يصبح إحدى أدوات الدفاع الوطني. وكل تهاون فيه يُعد تفريطاً في الجبهة الداخلية.
سيُحاسَب خالد الإعيسر، لا على نواياه، بل على النتائج. وسينظر إليه الناس لا ككاتب لديه رصيد مهني، بل كوزير مسؤول عن صوت الدولة ورؤيتها. هذه لحظة الحقيقة، ولا شيء سواها .
