عبدالرحمن نهار – كاتب و ناشط إنساني
منذ العاشر من مايو ٢٠٢٤ م فرضت مليشيا الدعم السريع على سكان مدينة الفاشر القصف المدفعي والقناصين والطائرات المسيرة والهجمات العسكرية المتكررة التي بلغت في مجملها حتى لحظة كتابة هذه الأسطر ٢٢٨ معركة، بالإضافة إلى الحصار الخانق الذي قصد به قطع طرق الإمداد إليها ومنع دخول السلع والبضائع والأدوية وحتى المساعدات الإنسانية التي أرسلتها الأمم المتحدة للمدنيين المتأثرين بهذه الحرب.
ورغم كل تلك الأفعال الإجرامية والهجمات العسكرية، ظلت المدينة صامدة ولم تسقط، بل وقفت أبية ضد العدو، ولقّنت المليشيا دروساً قاسية في القتال، وهزمتها شر الهزائم وأفقدتها قياداتها العسكرية وجندها بمختلف انتماءاتهم الارتزاقية.
والشاهد ومقصد هذه السردية هو أن هجمات قوات الدعم السريع ومرتزقتها من دول المحيط الأفريقي ومن خارج القارة الأفريقية كانت موجهة مباشرة نحو الأعيان المدنية ومراكز الخدمات ومنازل المدنيين ومعسكرات النازحين، الأمر الذي أدى إلى قتل المدنيين بأعداد لا حصر لها.
وما يجدر ذكره أيضاً أن مدينة الفاشر، العاصمة التاريخية لإقليم دارفور والعاصمة الحالية لولاية شمال دارفور، قد احتضنت نازحي ولايات دارفور الكبرى ومدنها التي تأثر المدنيون فيها بالهجمات المنظمة من قوات الدعم السريع، مثلها ومثل باقي مدن وقُرى السودان في حرب ١٥ أبريل ٢٠٢٣ م. وصارت هي الملاذ الآمن والأوحد لإنسان دارفور بعد فرارهم من بطش هذه المليشيا في ولايات غرب ووسط وجنوب دارفور التي سقطت في يد المليشيا.
والفاشر قبل ذلك كانت أصلاً تؤوي نازحي حرب دارفور الأولى التي بدأت في العام ٢٠٠٣ م بين الحكومة السودانية وحركات دارفور المسلحة، والذين فرض عليهم النزوح الداخلي واللجوء إلى دول الجوار بعد ارتكاب جرائم القتل والاغتصاب ونهب الممتلكات وحرق القرى وجرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية، والتي وثقها المجتمع الدولي والأمم المتحدة.
وبموجب اعترافها بتلك الكوارث استجابت لمتطلبات العمل الإنساني وحماية المدنيين وسبل البحث عن السلام المستدام، ووفقاً لذلك فقد أنشئت ثلاث بعثات لحفظ السلام، وهي:
• بعثة الاتحاد الأفريقي إلى السودان African Union Mission in Sudan – AMIS (٢٠٠٤ – ٢٠٠٧).
• بعثة الأمم المتحدة في السودان United Nations Mission in Sudan – UNMIS التي عملت منذ ٢٠٠٥ لتنفيذ اتفاقية السلام الشامل Comprehensive Peace Agreement – CPA وامتد عملها إلى دارفور في ٢٠٠٧.
• البعثة الهجينة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي UNAMID التي أنشئت في ٣١ ديسمبر ٢٠٠٧ واستمرت حتى ٣١ ديسمبر ٢٠٢٠.
وما يجدر ذكره أن كل تلك الجرائم آنفة الذكر ارتكبت بحق المجموعات الأفريقية بواسطة قوات الجنجويد التي ينتمي أفرادها وقادتها إلى المجموعات العربية أو المستعربة، والتي اشتهرت طوال تاريخها بمسمى الجنجويد. وقد مرت في حقيقتها بعدة مراحل وتطورات وتمظهرات وأخذت مسميات متعددة، وكان آخرها حين تم تحويلها لتأخذ شكلاً من أشكال القوات النظامية وسميت عندئذ بـ قوات الدعم السريع، في عملية وُصفت بأنها تهرّب والتفاف من نظام الإنقاذ على المطالبات الدولية المستمرة بضرورة حل هذه القوات ومحاسبة قادتها وتقديمهم للعدالة الدولية، بما في ذلك القيادات العليا في الدولة السودانية.
والشاهد الأكبر هو أنه ورغم استمرار الحرب والقصف المتعمد من الدعم السريع وتدمير الأعيان المدنية والقتل المفرط للمدنيين في مدينة الفاشر، واستمرار فرض الحصار الخانق ومنع دخول ضروريات الحياة، والهجمات المتكررة على معسكرات النازحين في الفاشر مثل معسكر أبو شوك ومعسكر زمزم، فإن الأخطر كان يوم الأحد ١٣ أبريل ٢٠٢٥ عندما اكتسحت المليشيا معسكر زمزم وفرضت الهجرة القسرية على سكانه.
وتحدثت التقارير عن جرائم مروعة تمثلت في قتل أكثر من ٤٥٠ مدنياً نازحاً، وقتل الطاقم الطبي كاملاً، واختطاف أعداد من الفتيات كرهائن، وقتل المدنيين الفارين من المعسكر أثناء محاولتهم دخول الفاشر.
وبعد كل تلك الأخبار عن تردي الأحوال الإنسانية، ومع انتهاء السلع في السوق المحلي ولجوء المدنيين إلى أكل ما توافر لهم من أعلاف الحيوانات رغم ندرتها، ظل الضمير الإنساني غائباً والعالم يواصل الصمت المميت.
لماذا هان الإنسان؟ أيأكل البشر أعلاف الحيوان إن وجدت ويستصرخ إخوة الإنسانية دون آذان صاغية أو ضمير حاضر؟ هل مصالح الدول صارت مانعة للتصدي للجرائم ضد الإنسانية؟ أم أعمت العالم اعتبارات التستر؟
إنسان الفاشر يُباد، فأين نداءات الإنسانية؟ وأين الأمم المتحدة التي كانت تقول في الماضي Never Again؟ هل مات الضمير العالمي؟ أم ماتت الإنسانية ومعها الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، الذين يدركون أن المكان هو ذات المكان، والإنسان هو نفس الإنسان، والجاني هو نفسه لم يتغير مع تغيّر الأزمنة؟
في كل الأحوال ستصمد الفاشر السلطان، ويبقى الشرفاء جنداً يروون بدمائهم أرض وطنهم، ويسقطون تباعاً مقاومة للعدوان، ليرث الأجيال تاريخاً من شرف النضال والتضحيات الجسام من أجل الأوطان.
ولحكومة السودان تذكير بأنه ليس بالإمكان بقاء السودان وطناً واحداً موحداً حراً مالكاً لإرادته وقراره وعزته إلا بفك حصار الفاشر السلطان وتحرير دارفور الكبرى من دنس الجنجويد وأعوانه وعملاء الإمارات ومنفذي الأجندات الأجنبية وأعداء السودان، الذين باعوا الوطن في سبيل حلم الحكم ودنانير لا تغني ولا تسمن، بل تورثهم الخزي والعار.
