زيارة كامل إدريس إلى الخرطوم: اختبار الدولة في العاصمة الغائبة

صلاح يعقوب – كاتب و صحفي 

وصل رئيس الوزراء السوداني، الدكتور كامل الطيب إدريس عبد الحفيظ، إلى مدينة الخرطوم اليوم الجمعة، في أول زيارة له إلى العاصمة منذ توليه رئاسة الحكومة، وذلك لمتابعة تنفيذ قرار مجلس السيادة بإعادة تطبيع الحياة في الولاية، والتباحث مع السلطات المحلية حول الخطوات العملية لنقل مقار الحكومة المركزية إليها. وتأتي الزيارة وسط ظروف أمنية هشة، وتحديات خدمية واقتصادية متراكمة، مما يضعها في سياق سياسي أكثر من كونها مجرد نشاط تنفيذي روتيني، ويُنظر إليها كمؤشر على توجه الحكومة نحو استعادة حضورها الرمزي والإداري في قلب الدولة، بعد أشهر من الفراغ المؤسساتي.

وقد اختار رئيس الوزراء الوصول برًّا، رغم صعوبات الطرق المؤدية إلى الخرطوم، في خطوة فُسِّرت بأنها تعكس رغبته في الوقوف على الأوضاع ميدانيًا، والاطلاع المباشر على الواقع الخدمي والأمني للولاية، بعيدًا عن التقارير الورقية أو الصور الرسمية. استُقبل إدريس عند مدخل المدينة من قبل وزير الداخلية الفريق بابكر سمرة مصطفى، ووالي ولاية الخرطوم أحمد عثمان حمزة، وعُقد لقاء مغلق في إحدى المقار الحكومية المؤقتة لتنسيق الخطوات المقبلة بشأن وجود الحكومة الاتحادية داخل العاصمة.

وتواجه الخرطوم اليوم واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا منذ اندلاع النزاع المسلح في أبريل 2023، حيث ما تزال أجزاء واسعة من المدينة خارج السيطرة الحكومية الكاملة، وتُسجل تقارير أممية ومحلية متواترة غيابًا ملحوظًا في الخدمات الأساسية، إلى جانب أوضاع إنسانية صعبة لسكان بعض الأحياء التي ظلت ساحة اشتباك طويل بين القوات المسلحة السودانية ومليشيا الدعم السريع.

الزيارة، في مضمونها السياسي، لا تنفصل عن التحديات المتصلة بإعادة تعريف مركز الدولة. فالحكومة الجديدة، التي رُوّج لها تحت شعار “حكومة الأمل”، مطالبة بتحويل هذا الشعار إلى سياسات واقعية، تبدأ بإثبات القدرة على استعادة العاصمة كمكان قابل للإدارة والعمل العام. وقد بات واضحًا أن عودة الحكومة إلى الخرطوم – إن لم تُقرن بتوفير الحد الأدنى من الأمن والخدمات – قد تتحول إلى عبء إضافي على صورتها، بدلًا من أن تكون نقطة انطلاق لإعادة الثقة.

وزير الداخلية الجديد، الفريق بابكر سمرة، يُنتظر منه أن يقدّم تصورًا واضحًا لحسم التفلت الأمني، وفرض سلطة القانون، خاصة في الأحياء التي شهدت حالات انفلات خلال الأسابيع الماضية. أما والي الخرطوم، أحمد عثمان حمزة، فهو مطالب بالتحرك العاجل لإعادة تشغيل المؤسسات الخدمية، وتحسين بيئة العمل للمواطنين والموظفين، وضمان استمرارية الحد الأدنى من الحياة المدنية في مدينة ما تزال أقرب إلى الطوارئ منها إلى الاستقرار.

رئيس الوزراء، رغم خلفيته الدولية كمدير سابق للمنظمة العالمية للملكية الفكرية، يواجه تحديًا من نوع مختلف تمامًا: ليس التنسيق بين دول ومنظمات، بل التعامل مع وضع داخلي متفكك، وبنية مؤسسية منهكة، وسلطة مركزية تحاول إعادة تثبيت وجودها في عاصمة فقدت الكثير من ملامحها. وفي هذا السياق، فإن الرهان على الحضور الميداني وحده لا يكفي، ما لم يُترجم إلى قرارات تنفيذية سريعة وقابلة للقياس، تضع المواطن في صلب الاهتمام.

سياسيًا، لن تكون زيارة إدريس مجرد نشاط ضمن جدول أعمال، بل ستُقرأ باعتبارها اختبارًا أوليًا للحكومة الجديدة: هل تملك القدرة على العمل في بيئة متقلبة، وتحت ضغط شعبي متزايد؟ وهل يمكنها صياغة معادلة واقعية تُراعي الأولويات الأمنية والخدمية دون السقوط في فخ الوعود غير القابلة للتنفيذ؟

الرأي العام السوداني، الذي تابع على مدى أشهر نزيف العاصمة، لم يعد معنيًا بخطابات الطمأنة العامة، بل يتطلع إلى مؤشرات حقيقية على أن مركز الدولة لا يزال موجودًا، وأن مؤسساتها لم تفقد قدرتها الكاملة على الإدارة. ولذا، فإن نجاح الحكومة في إحداث فارق – ولو محدود – داخل الخرطوم خلال الأسابيع المقبلة، قد يمنحها دفعة معنوية كبيرة، ليس فقط داخليًا، بل أمام شركاء الخارج الذين يراقبون مسار الانتقال السياسي في البلاد.

وفي المقابل، فإن أي تلكؤ أو ارتباك في اتخاذ القرار أو ضعف في التنسيق الأمني والخدمي، سيُترجم فورًا إلى أزمة ثقة، ويُفتح الباب مجددًا أمام قوى الأمر الواقع، ويدخل الحكومة في دوامة رد الفعل بدل المبادرة.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في زيارة الخرطوم، بل في البقاء فيها والعمل منها، وتحويلها من نقطة نزاع إلى مركز إدارة فعلي. وحتى يتحقق ذلك، فإن المطلوب من كامل إدريس وفريقه التنفيذي هو الوضوح، والاستعداد لاتخاذ قرارات غير شعبوية، ولكن ضرورية، لإعادة تشغيل الدولة من نقطة الصفر. الخرطوم اليوم ليست مجرد مدينة، بل مقياس لحقيقة وجود الدولة. وأي حديث عن انتقال ديمقراطي أو مدني، دون سيطرة حقيقية على العاصمة، يبقى في إطار التمنيات، لا السياسة الفعلية.

#سودان_حر_ديمقراطي‏ 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *