بقلم جمال عبدالعال خوجلي
الحلقة الثالثة
سقطت دولة الدعم السريع وسقط حلم الجنجويد بحكم السودان حتى قبل أن تعلن الحكومة التي روج لها المجتمعون في نيروبي ودبج لها الحلو ومتفلتو بعض المجموعاتالمتناقضة، دبجوا وأحاكوا لها مواقف شخصية سموها دستورا، سقط المخطط وإستيقظ الفاعل مرتكب الجرائم والإنتهاكات على وقع تقدم الجيش السوداني ودخوله القصر السيادي والسيطرة الفعلية على كل مناطق ولاية الخرطوم، بل وتقدمه غربا.
إنتهي حلم اليقظة الذي توهم أن يحكم السودان بالنهب والسرقة والإغتصاب والقتل والتشريد والنزوح، صحيح أن التدريب على ذلك الفعل الشنيع قد تم قبل حوالي العشرين عاما يوم إنتهك الجنجويد دارفور وأشبعوا أهلها قتلا وإغتصابا وشردوا الملايين من مناطقهم وقراهم وتم الإحلال والإبدال، لكن أقدار الله تمهل ولا تهمل. سقط حلم الجنجويد، أداة المخطط الخارجي لتدمير السودان وإقامة دويلة الفساد والظلم التي أذاق مجرموها الأهل في الجزيرة وسنار والخرطوم الأمرين خلال العامين السابقين.
إرتكب عمر البشير وجهاز أمنه اكبر جريمة في تاريخ السودان بتكوين مليشيات ومجموعات عصابات من مرتادي الجرائم ومرتزقة القتل ليسكت بهم ثورة أبناء دارفور التي طالبت بإزالة التهميش والخروج من دائرة التخلف وغياب الخدمات وإتاحة الحرية لأهل دارفور لإنتخاب حكومتهم وإدارتهم. أخرج البشير من السجون المحكومين من مرتادي الجريمة وأغدق عليهم السلاح والمال وجيوب السلطة لتحقيق ما أراد. لم يكتفي البشير وجهاز أمنه بكل ذلك، بل وعزل وأقصى من الجيش السوداني كل من عارض وجود قوات مسلحة أخرى موازية غير القوات المسلحة، فعزل السيد رئيس هيئة الأركان الذي يعد من أبرز الشخصيات العسكرية، تولى سابقا قيادة سلاح المهندسينوقيادة القوات البرية ورئاسة الأركان ووزارة الدفاع، وعزل عددا من أكفأ ضباط القوات المسلحة المعارضين للجنجويد، ومنح البشير الرتب الرفيعة لقائد الجنجويد وزمرته دون أي إعتبار لقوانين القوات المسلحة ولا معايير وشروط ومؤهلات ذلك، وغالبهم لم يعرف طريقا للتعليم الإبتدائي. أوقف البشير في 2011م التجنيد للقوات البرية ليفسح الطريق للجنجويد ليشكلوا قواتهم. ولم يكتفي البشير بذلك، بل ومضى للترويج لقوات الجنجويد التي أصبحت هي من يحميه ونظامه، ليكافئهم بتقديم زعيمهم للخارج الذي يحتاج لمقاتلين في ترتيباته. أصبح حميدتي صوتا في المنطقة. مضي حزب البشير ليقنن وضع الجنجويد فأجاز برلمانه قانونا لها ام 2017 وعدها قوة أمنية مستقلة. أصبح الجنجويد جيشا داخل الجيش السوداني، همه أن يضعف الأصل. أصبح الجنجويد مخلب القط لتحقيق المخطط الخارجي الرامي لتدمير السودان والتحكم فيه والهيمنة على موارده الطبيعية والجغرافية.
مضى البرهان في ذات إتجاه تمكين الجنجويد رئيسا وقوات، رقاه لأرفع الرتب العسكرية وسمح له بالتجنيد لمئات الآلاف من الجنود دون أي معايير وفتحت لهم المعسكرات بتجهيزات أعلى بكثير من القوات المسلحه. إرضاء لحميدتي، أقال البرهان عددا كبيرا من قيادات الجيش السوداني الذين عارضوا تمدد الدعم السريع. تمت إقالة رئيس هيئة العمليات المشتركة ومدير التدريب الشهيد اللواء بحر أحمد بحر وقائد المدرعات وآخرين الذين كانوا معارضين لأهداف حميدتي ومن ورائه في السيطرة على السودان. أيضا لم يكتف البرهان بذلك، بل وعدل قانون الدعم السريع ليخرجه تماما من المساءلة العسكرية. قدم البرهان حميدتي ليوقع نيابة عن المؤسسة العسكرية في وثيقة تقاسم السلطة مع قحت، والتي قدمته ليكون رئيس اللجنة الإقتصادية للبلاد، ثم هو من يمثل الدولة في إتفاق للسلام في جوبا مع المجموعات التي كان يقتلها ويهجر أهلها. سلم البرهان مؤسسات الدولة الرئيسية تماما للدعم السريع، الذي أصبح حارسا للقيادة العامة والقصر الجمهوري ومطار الخرطوم والإذاعة والتلفزيون ومصفاة الجيلي وغيره. كل ذلك بأمر البرهان ودعمه وغطاءه. يتساءل المواطنون عن سبب ذلك؟؟ هل الهم الوحيد للبرهان أن يجلس على كرسي الرئاسة دون إعتبار للبلاد ومؤسساتها؟ أم أن المخطط الخارجي قد إستوعب الكل كما إستوعب مجموعات متنافرة ومتصارعة داخل المؤتمر الوطني وجهاز أمنه؟ وهل كان لقاء نتنياهو في يوغندا والتطبيع مع إسرائيل وزيارة الموساد للتصنيع الحربي جزءا من المخطط؟
إستلم الدعم السريع مؤسسات الدولة في الخرطوم تمامابالإضافة لأكثر من عشر معسكرات تخرج عشرات الآلاف من مجنديهم تحت رعاية وتشجيع وحضور البرهان، تماما كما كان يفعل البشير، هكذا تمكن الجنجويد من مفاصل السلطة ليحددواساعة التحرك والذي إنطلق هذه المرة من قلب العاصمة. في وقت وجيز إستلم الجنجويد الخرطوم تماما وتمدد للجزيرة والنيل الأبيض والأزرق وسنار ومساحات مقدرة من كردفان. كان الهدف واضحا هو تصفية الجيش السوداني تماما، إما بالإستسلام أو القتل ومن ثم تصفية وتهجير مجموعات سودانية من مساكنهم وأعيانهم وقراهم كما حدث في دارفور
الجيش السوداني الذي كان في أسوأ أوضاعه من إهمال الإنقاذ مقابل دعم الجنجويد، وسطوة الأمن ونفوذه المتعالي على كل مؤسسات وهيئات الدولة، وقعت عليه الصدمة طوال العام الأول للحرب خاصة أولئك المهنيون والكفاءات ذوو القدرات العسكرية التي طردت من الجيش وعوقب بعضها بالسجن لفترات. غالب هؤلاء عادت لهم دوافع الإنتماء للمؤسسة، لم يطل بهم الإنتظار حتى عادوا بدون قرار رسمي وبمبادرة منهملمختلف الوحدات العسكرية، بل وحتى مركز السيطرة والتحكممتحدين نيران الجنجويد ومدافع الدعم السريع. إقتسم العائدون لصفوف الجيش مناطق الخرطوم المختلفة قوادا للعمليات، عاد الشهيد بحر قائدا للعمليات في منطقة الخرطوم بحري، والشهيد أيوب للمدرعات ومن بعده اللواء نصرالدين عبدالفتاح للمدرعات، وعاد الشهيد الطيار اللواء أبوالقاسم رحمة الله للقوات الجوية والذي سبق أن طرده البرهان من الجيش أيضا. عاد هؤلاء وغيرهم ممن أبعدوا وطردوا من الجيش إرضاء لحميدتي وتمشيا مع تصفية القوات المسلحة من الوطنيين والمهنيين.
عودة المهنيون العسكريون لإدارة المعركة أحدثت التحول الكبير في عمليات الجيش السوداني خاصة في العاصمة وهيأت للانهيار الكبير للدعم السريع الذي تبخرت مجموعاته تماما رغما عن الدعم الكبير الذي ظل يتلقاه من الخارج بأنواع من الأسلحة والتجهيزات العسكرية لم تتيسر للجيش. إنتصرت القوات المسلحة يوم عادت لأداء مهامها الدستورية حماية للبلاد وحدودها وأمنها ودفاعا عن المواطنين الأبرياء العزل الذين قلبت المليشيات حياتهم رأسا على عقب قتلا وتنكيلا ونهبا لممتلكاتهم. أكثر من خمسة عشر مليونا من السودانيين هاموا على وجوههم جراء إنتهاكات الدعم السريع بعد أن أجبروا على مغادرة منازلهم وأعيانهم. إنتصرت القوات المسلحة يوم عادت السيطرة والتحركم للمهنيين الأكفاء الذين لا علاقة لهم بالمحاور والتبعية والولاء للتحالفات السياسية الخارجية ومؤامراتها.
إنتصرت القوات المسلحة يوم قامت تحارب لأجل المواطن وتعود لواجبها الوطني ومهامها الدستورية المحددة. المفارقة أن حرب القوات المسلحة كانت مواجهة مسلحة مباشرة مع مليشيات كونها قائد الجيش السابق ودعمها قائد الجيش الحالي. إنتصرت القوات المسلحة لانها قامت تدافع عن المواطن وليس عن السلطة وحاكمها كما كان يسخر البشير ونظامه المليشيات، بل وكان يدعم ذلك أحيانا بالتغطية على هجمات الجنجويد في دارفور بواسطة المجموعات الأمنية ومن يدور في فلكها. إنتصرت كذلك مجموعات أجهزة الأمن يوم عادت للدفاع عن الوطن في وجه التدخلات الخارجية التي تريد دامارا للسودان، ودفاعا عنالمواطن وليس تعذيبه وقتله كما كانت تفعل مع الشهيد أحمد الخير ورفاقه. في المقابل إستجابت مجموعات كبيرة من الشبابوإنخرطت تدافع عن عرضها وكرامتها وهي تري كيف إمتهن الجنجويد النساء والرجال صغارا وكبارا بعد أن أمعنوا فيهم قتلا وفي ممتلكاتهم سرقة وتدميرا. برز الشباب السوداني بمختلف واجهاته فرادى وجماعات من غالب أنحاء السودان وبتدريب عسكري بسيط في الصفوف الأمامية مقدمين أروع صور التضحية والفداء، تحول الهتاف مساندا ومعضدا لدور الجيش المهني بعد أن كان يلقن حلفاء الوثيقة الدستورية للبرهان الشباب، وبإسمهم يهتفوا ( معليش ما عندنا جيش).
هكذا إستدار الزمان بعد عشرين عاما وتبدلت المواقف، وعاد الجيش حاميا للوطن والمواطن مواجها للملييشات التي أسسها نظام البشير وأجهزة أمنه ومكن لها البرهان ودعمها تحالف الوثيقة الدستورية. سقط الدعم السريع والأصل أنه إنهار تماما، في أيام معدودات تبخر الجراد الذي عاث خرابا في الأخضر واليابس، وهرب لا يلوى على مخرج بعد أن ضاقت السبل بفضل خطط وترتيبات الجيش المهني. الأهم أن الأسلحة الحديثة والمعدات والذخائر التي وجدت بحوزتهم ، تقف شاهدا على المخطط والممول والميسر والمنفذ الذي مرت عبره للسودان من دول مجاورة. كل ذلك يكشف المخطط التدميري الكبير الذي إستهدف السودان بأسره.
سقط حلم المؤامرة وأفاق السودانيون من كابوس الجريمة النكراء، وتطهرت الخرطوم والولايات الوسطى من دنس المليشيات وضاقت الأرض على الجنجويد وولوا وجههم شطر حواضنهم التي وقف بعضها للأسف مساندا لهم. المهم الآن أن يستدرك السودانيون دروس وعبر المواقف التي إنتهت بالبلاد للحرب والدمار.
أما وقد هزمت المليشيات شر هزيمة في الخرطوم والجزيرة وسنار وغيرها وإندحرت وتقهقرت الى دارفور، فإن أول الخطوات الواجبة أن تقوم الحواضن الإجتماعية للمليشيات في دارفورخاصة القبائل الرئيسية التي يشكل أبناءها قواها الرئيسية، أن تقوم بالدور الأساسي في توعية أبتائها خاصة المنضوين والمقاتلين بإلقاء السلاح تماما وتسليمه للقوات المسلحة،والإنفضاض عن أي تجمع عسكري مسلح، وأن تتأكد قيادات ورموز القبائل من تنفيذ ذلك وخروج المليشيات من مساكن المواطنين وأعيانهم والمؤسسات العامة لفتح الباب أمام ملايين النازحين والمهجرين داخل وخارج دارفور للعودة لمنازلهم وإستئناف دورة الحياة. هذه القبائل العربية لها قيم وأخلاق وموروث عبر التاريخ يؤهلها لدور الإصلاح والتوفيق وردم الهوة الكبيرة التي أحدثتها تجاوزات المليشيات ، هذ فضلا عن أن الحرب ستدور رحاها بمناطقهم ، فالأولى لهم أن يتجنبوا شرورها ويدرءوا إثمها بهذه الخطوة . سيوفر ذلك على أهل دارفور تمدد الصراع والحريق والدمار . ستكون هذه هي الخطوة الأولى والأساسية لوقف الحرب وتمدد الحريق وتواصله، وسيمكن ذلك من العودة للحوار والإتفاق على مختلف القضايا محل الخلاف. واجب الأحزاب العربية في دارفور أن تقدم على معالجة الأمر خاصة وأن عددا من قياديها قادوا ذات المسعى وإنتهى بخروج مجموعات كبيرة من منسوبيهم بالدعم السريع من الجزيرة ومناطق عديدة بالخرطوم وإلقائهم السلاح تماما.ستفتح الخطوة الباب لمختلف المجموعات السياسية والإجتماعية السودانية لإحلال السلام والتنمية. يمكن لهذه الخطوة أن تخمد أوار الحرب، والا فليس أمام الجيش إلا مواصلة الحرب بذات الإسناد المجتمعي الذي هزم المليشيات في معارك صعبة كمعارك مدن الخرطوم والجزيرة، وبالتأكيد ستكون معارك دارفور أقل تعقيدا عسكريا، وأيسر في ظل الدعم العسكري للجيش من مجموعات مسلحة تحارب الجنجويد لأكثر من عشرين عاما.
في المقابل فإن إنتصار الخرطوم وضع السودان بأسره على أعتاب مرحلة جديدة، لابد للقوات المسلحة من إستيعاب دروس المرحلة السابقة منذ سقوط الإنقاذ أبريل 2019م، لتشارك بمهنية في مسيرتها. أول وأهم تلك الدروس ضرورة خروج الجيش تمامامن السياسة والتحالفات والمحاور الداخلية والخارجية والنركيز على مهامه الدستورية. لا بد من جيش قوي مدرب مؤهل مسلح حامي للبلاد بمهنية وقومية جامعة، بعيدا عن مؤسسات الحكم والسلطة، داعم للتوجه الديمقراطي الحر . قيام الجيش بمهامه يستلزم أن نستعيد تجربة المشير سوار الذهب في ابريل 1985م والتي كون فيها مجلسا عسكريا مهنيا محترفا من قادة الأسلحة والوحدات وإستوعب الأمن والشرطة كذلك ومضي لدعم الإنتخابات الحرة النزيهة التي قال فيها السودانيون كلمتهم وحددوا خيارهم. على البرهان تجاوز محطات المراوغة والتردد والرهان على الخارج لمواصلة حكم السودان. لن تفيدهتعديلات الوثيقة الدستورية ولا التعويل على الخارج. الأفضل له أن يتقدم السودانيون في إمضاء رغبتهم نحو الحرية والعدالةوالسلام وأن يمضي الى حكومة تقنية متفق عليها لترتيب الانتخابات.
أما العالم الخارجي وخاصة المحيط بالسودان، فإن إنتصار القوات المسلحة قد أربك حساباتهم، والراجح أن يتراجع المدد العسكري المكشوف والمفضوح الذي فتك بالمواطن السودانيالبسيط. نسبة مقدرة من المدد العسكري خاصة التقني والعتاد إستولت عليه القوات المسلحة عند تحرير الخرطوم، لكن الأوفق أن تحيد هذه الدول بدلا عن إستعدائها خاصة وأن الإمتدادات القبلية تتجاوز الحدود السياسية، وبعض هذه الدول خاصة تشاد وكينيا تضطرب أوضاعها الداخلية بما يكفي لإنشغال أنظمتها بقضاياهم الداخلية.
الأصل في الحياة أن تقوم على الإستقرار والأمن، والإضطرار هو الحرب والإقتتال الذي يريده المخطط للسودان. لن يكون هناك منتصر في ظل القتل والدمار مهما كانت النتائج، والأوفق أن تنتهي الحرب وتقف برد العدوان والظلم، وأن يتحد السودانيون لدرء الفتنة التي هي أشد من القتل وأكبر، لابد من العودة للسلام والطمأنينة والتضامن المجتمعي وفق ترتيبات يشارك فيها جميع السودانيون. نحتاج للإتعاظ بعبر الحرب التي إستعرت لأعوام عديدة في جنوبنا الحبيب وإنتهت بتقسيم البلاد، وكذا ما يجري الآن في ليبيا واليمن وغيرها. أهل السودان لا ينقصهم التوافق ولا تغيب عنهم الحكمة حتى في أشد الظروف وأقساها، وهي ما نعيشها الآن.
