لندن تستضيف خريطة طريق لإعادة إعمار السودان… والقطاع الخاص البريطاني في صدارة الرهان

في قاعة مكتظة برجال أعمال وخبراء اقتصاد، انعقد في لندن ملتقى اقتصادي رفيع المستوى حول إعادة إعمار السودان، نظمته السفارة السودانية بالمملكة المتحدة بالشراكة مع اتحاد أصحاب العمل السوداني وغرفة التجارة العربية البريطانية، في مناسبة حملت بعداً رمزياً تزامناً مع الذكرى السبعين لاستقلال البلاد.

الملتقى، الذي جاء في لحظة مفصلية لاقتصاد أنهكته الحرب، سعى إلى ما هو أبعد من النقاشات النظرية؛ فقد هدف إلى صياغة ملامح خارطة طريق اقتصادية لمرحلة ما بعد النزاع، وبناء تحالفات عملية بين القطاع الخاص السوداني ورؤوس الأموال الدولية، خصوصاً البريطانية.

رسالة واضحة للمستثمرين: “من يأتي أولاً يكسب أكثر”

وزير المالية والتخطيط الاقتصادي، د. جبريل إبراهيم، خاطب الملتقى عبر تقنية الاتصال المرئي، مقدماً عرضاً لأولويات الحكومة في مرحلة التعافي، ومؤكداً أن السياسات الاقتصادية المقبلة ستتمحور حول استعادة الاستقرار الكلي، وإصلاح البيئة الاستثمارية، وتوسيع الشراكات مع القطاع الخاص.

وأشار الوزير إلى حزمة من التسهيلات الممنوحة للمستثمرين الأجانب، في ما يشبه دعوة مفتوحة لرؤوس الأموال الدولية، قائلاً إن “الوقت بات مناسباً لدخول الاستثمارات الأجنبية، ومن يأتي أولاً سيكون الأنجح”. كما شدد على أن للقطاع الخاص البريطاني مزايا تنافسية واضحة في مجالات التمويل والتكنولوجيا وحوكمة المؤسسات، يمكن أن تشكل رافعة حقيقية لإعادة البناء.

صمود القطاع الخاص المحلي

من جانبه، قدم معاوية البرير رؤية القطاع الخاص السوداني لمرحلة الإعمار، مؤكداً أن الشركات الوطنية أظهرت قدراً لافتاً من المرونة والقدرة على التكيف خلال سنوات الأزمة، ما يجعلها شريكاً طبيعياً لأي استثمار أجنبي يسعى للدخول إلى السوق السوداني.

السفير بابكر الصديق محمد الأمين، رئيس البعثة السودانية في لندن، عرض بدوره أولويات الاستثمار في مرحلة إعادة الإعمار، مشيراً إلى قطاعات البنية التحتية والطاقة والاتصالات والزراعة باعتبارها مجالات ذات عائد مرتفع ومخاطر قابلة للإدارة في ظل الترتيبات الإصلاحية الجارية.

ثلاث جلسات… وثلاثة محاور استراتيجية

توزع النقاش على ثلاث جلسات رئيسية عكست التحديات والفرص:

الواقع الاقتصادي الراهن: ناقشت الجلسة الأولى صورة الاقتصاد السوداني بعد الحرب، بمشاركة قيادات بارزة من القطاع الخاص، من بينهم أحمد عبد اللطيف (مجموعة CTC)، وأمل وجدي ميرغني، وحسن ساتي، ود. عمر بدوي أبو البشر، وأدارها السير إقبال سكراني. وتركز النقاش على استعادة سلاسل الإمداد، وإعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية، ومخاطر التمويل. السياسات والتمكين المؤسسي: الجلسة الثانية تناولت إصلاح القطاع المصرفي والبنية التحتية الاقتصادية والتحول الرقمي، بمشاركة عبد المجيد الزين (دولفين تليكوم)، والباحث الاقتصادي هاري كروس، والبروفيسور مصطفى نواري، ومحمد الطيب. وبرزت الدعوة إلى تحديث الإطار التشريعي وتعزيز الشفافية كشرط لجذب رؤوس الأموال طويلة الأجل. حشد رؤوس الأموال: الجلسة الختامية ركزت على هياكل الاستثمار وآليات التمويل للمشاريع الكبرى، بمشاركة مصطفى الحسن (GCCI)، والمهندس نزار إبراهيم عمر، وأحمد بابكر، ويوسف ماجد يوسف، حيث جرى بحث نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص وصناديق الاستثمار السيادية.

بوابة بريطانية نحو الإعمار

ريتا مسعود، مديرة غرفة التجارة العربية البريطانية، أكدت أن الشركات البريطانية تنظر إلى السودان كسوق ناشئ ذي إمكانات كبيرة، مشيرة إلى أهمية تسهيل التجارة وتوفير ضمانات استثمارية واضحة. حضور الغرفة منح الملتقى بعداً مؤسسياً يعزز فرص تحويل التوصيات إلى اتفاقيات عملية.

الملتقى جاء ضمن سلسلة فعاليات تنظمها السفارة السودانية في لندن احتفاءً بسبعين عاماً على الاستقلال، في محاولة لربط البعد الرمزي للتاريخ الوطني بمرحلة إعادة التأسيس الاقتصادي.

وبينما لا تزال التحديات كبيرة — من إعادة بناء البنية التحتية إلى استعادة الثقة في النظام المالي — فإن الرسالة التي خرج بها الملتقى كانت واضحة: إعادة إعمار السودان لن تكون مشروعاً حكومياً صرفاً، بل شراكة مع القطاع الخاص العالمي، تبدأ من لندن وقد تمتد إلى أسواق أوسع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *