الفـراغ العـريـض… المرأة والهيمنة الذكورية

بقلم: أماني محمد صالح

رواية للكاتبة ملكة الدار محمد عبدالله… الفراغ العريض، أول رواية نسائية كتبت في خمسينيات القرن العشرين ونشرت في عام 1970. تبرز العقلية النسائية المتفتحة في تلك الحقبة من خلال عكس قضايا المرأة بكل شفافية في عصر تتحكم فيه النظرة الذكورية البحتة. استطاعت الكاتبة عكسها بأسلوبها وملكتها الإبداعية في الكتابة.

استهلت الكاتبة الرواية بلغة عربية فصحى، ولكنها لم تحافظ على هذا النهج الفصيح، حيث هناك بعض المفردات التي خرجت عن سياق الفصحى. ورغم أن هذا الأسلوب يخل بميزان السرد اللغوي في بعض النصوص، إلا أن ذلك لم يخل بجمال السرد، فقد جاء ذلك في وصف حال منى وحال رفيقاتها، حيث جاء الوصف:

“فاندفعن نحوها، وأحطن بها متسائلات وجلات… مخلعات القلوب.”

حيث نجد أن هذا الوصف أقل صياغة مما سبقه من ترابط وجمال لغوي، ولكنه لم يخل بالمعنى، غير أنه ذهب بجمال الوصف.

العنوان الفراغ العـريـض عنوان يحمل الكثير والكثير، يناقش الواقع الاجتماعي في تلك الحقبة من قمع للمرأة وحقوقها المهضومة والهيمنة الذكورية التي تسيطر عليها، حيث ترسم مستقبل المرأة بكل تسلط. استخدام الكاتبة للأسماء في الرواية له دلالاته؛ سيد فهو سيد السيد المتحكم في المنزل، سارة، سعاد، سعودية، منى، صابرين كلها أسماء لها دلالتها الرمزية المقلوبة، حيث كانت منى تتمنى الكثير وعاشت في دائرة الفراغ دون أن تحقق شيئًا، وأيضًا سعاد، سعدية، صابرين، صلاح كلها أسماء تحمل مدلولًا عكسيًا في الحبكة.

ولما كان العنوان والغلاف من العتبات الروائية المهمة، فهما من العناصر الجاذبة والمحفزة للقراءة. الفراغ العريض رمز للفراغ الذي تعيش فيه المرأة في تلك الحقبة، مسلوبة الإرادة والحقوق، فكل حقوقها وأحلامها بأيدي الرجال، يتحكمون بها ويقررون، وعليها فقط السمع والطاعة. تناولت الكاتبة هذه القضايا بطريقة محترفة وسابقة لعصرها، مما يدل على الوعي والتطور في عقلية المرأة وتفكيرها، فقدمت نماذج من صراع المرأة في معركة دائمة مع الرجل لانتزاع حقوقها. حتى وإن نالت حظها من التعليم، فهي تحت سطوة رجل أقل منها تفكيرًا وعقلية، لكنه يقرر لها كيف تعيش!

وقد جسدت الكاتبة الكثير من المواقف، فمثلًا عندما وجدت منى بطلة الرواية والدتها تمارس طقوس الصلاة بصورة خاطئة وأرادت تصحيح ذلك، استنكرت عليها والدتها أن تصحح لرجل (جدها)، فهو من علمها. وعندما ردت عليها بأن جدها أيضًا مخطئ، كان الاستنكار أشد: كيف للفتاة أن تفتي في مثل هذه الأمور حتى وإن كانت متعلمة؟

تناولت الكاتبة الكثير من قضايا المرأة بأسلوب سلس ومشوق بعيدًا عن الإغراق في التفاصيل المملة، وتمكنت من السيطرة على القارئ بأسلوبها، فكان أسيرًا لحرفها، تقوده وراء الأحداث بكل شوق ولهفة لمعرفة النهاية. الفراغ العريض والدائرة الضيقة التي كانت المرأة تائهة فيها في تلك الحقبة، وربما بعضهن حتى عصرنا هذا. فقد كان سيد ابن عمها هو المسيطر على مصيرهن، يقرر متى يخرجن، حتى حق التعليم هو من يقرره، لمجرد أفكار خاطئة في رأسه.

لكن منى، العنيدة التي تربت بعيدًا عن أبيها، رفضت الانصياع لأوامر ابن عمها وواصلت تعليمها. أما سارة، شقيقته، فقد وقعت فريسة للهيمنة الذكورية، فسُلبت حقها في التعليم وفي الحياة، إلى أن لقيت حتفها بسبب الجهل، وتوفيت ودُفنت معها أحلامها.

أما منى، فقد حققت حلمها وأكملت تعليمها وأصبحت معلمة، لكن رغم ذلك كانت أيضًا هناك وصاية عليها وعلى حقوقها في الحياة والحب والاختيار. أُجبرت على الزواج من ابن عمها المتسلط، وعاشت في فراغ عريض وتوهان، تلف في دائرة يحركها الرجل كما يشاء. ظلت منى تحاول الفكاك من حصار الرجل وقيود المجتمع وعاداته وتقاليده، فقررت التحرر من زوجها السكير.

وفي ظل هذه الظروف، يظهر صلاح، الصديق القديم، الوسيم، صاحب المال، الذي يعيد للأنثى كبرياءها وثقتها بنفسها. تحاول الهروب من إحساس الحب واللهفة لرجل يقدرها ويحبها ويعاملها كأنثى لها قيمتها، فقررت مخالفة كل العادات والتقاليد والتحرر والانطلاق نحو حياة جديدة. لكن تقودها الأقدار إلى خيبة أخرى، وتعيش في فراغ عريض، بقلب مكسور ومهموم.

النهاية غير متوقعة، رسمتها الكاتبة ببراعة، وفاجأت بها القارئ، حيث كانت كل المؤشرات تشير إلى وقوع البطلة في الخيانة، لكن ربما قدسيتها كمعلمة أو مقصد آخر أرادت الكاتبة إيصاله جعل النهاية غامضة. تركت الكاتبة الحيرة للقارئ ليضع تفسيره الخاص، وهو ما يُعد احترافية منها وسبقًا لعصرها في طرح قضايا المرأة.

استطاعت الكاتبة عكس قضايا المرأة بأسلوب مبهر وجميل، ونهاية غير متوقعة، لتعيدنا مرة أخرى إلى الفراغ العريض، الذي كان يعكس حال المرأة في تلك الحقبة التاريخية، ومعركتها لانتزاع حقوقها في الحياة دون هيمنة ذكورية ترسم لها حياتها، بينما تقف مقهورة مسلوبة الإرادة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *