حسين بَقَيرة – كاتب سوداني بالمملكة المتحدة
منذ استقلال السودان، ظلّت أزمته متجذرة في خيانة العملاء الذين صنعهم الاستعمار لخدمة مصالحه. فقد تم تمكين هؤلاء عبر أحزاب شكلية، ليصعدوا إلى المناصب العليا ويبيعوا الوطن بثمن بخس، جيلاً بعد جيل. هذه العمالة ترسّخت في الأحزاب التقليدية، حتى وصل بعض رموزها إلى قيادتها، كما هو الحال مع فضل الله برمة ناصر، رئيس حزب الأمة الحالي، الذي كنا نظنه من أبناء الهامش القادرين على إحداث تغيير إيجابي، لكنه لم يكن سوى امتداد لمنظومة التبعية والعمالة.
منذ انضمامه لحزب الأمة، لم يكن مشروعه خدمة السودان وشعبه، بل البحث عن دولة العطاوة، كما ظهر بوضوح في مؤتمر نيروبي. ففي أواخر عمره، وهو يناهز التسعين، عاد ليجسد ما خطط له منذ ثمانينيات القرن الماضي، عندما شارك مع الآخرين ما يسمي ب القريش 1 والقريش 2 ( مشروع دولة الجنجويد) في عهد رئيس الوزراء الراحل الصادق المهدي، حيث كان حينها وزير دولة، يموّه مواقفه ويخفي نواياه الحقيقية. لكن الزمن كشفه، وأظهر أنه كان يسعى لإنشاء دولة الجنجويد، وهو المشروع الذي جاء مؤتمر نيروبي لترسيخه.
يبدو أن فضل الله برمة يحصد اليوم ثمار ما زرعه قبل أربعة عقود، متوجًا تاريخه الحافل بالتواطؤ مع قوى العمالة بجرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي بحق الشعب السوداني، لتحقيق حلم دولة العطاوة. فقد حان الوقت الذي اتفق عليه هؤلاء لإعلان انحيازهم التام لمليشيا الدعم السريع الارهابية، التي أشعلت هذه الحرب ودمّرت البلاد. بهذا المؤتمر المخزي، انكشفت الحقائق للجميع، وأدرك الناس من الذي أطلق الطلقة الأولى.
هؤلاء الساسة، أو بالأحرى أشباه الساسة، يعيشون أزمة أخلاقية عميقة. هم مجموعة من العملاء والانتهازيين الذين أدمنوا السلطة، ويسعون إليها بأي وسيلة، حتى لو كانت على جماجم الشعب السوداني. وما يحدث اليوم من إبادة ومجازر بشعة، خاصة في دارفور ومعسكر زمزم، أو في ولاية النيل الأبيض بمنطقة القطينة، حيث ارتكبت مليشيا الدعم السريع مجزرة استمرت لثلاثة أيام حتى صبيحة يوم المؤتمر (18 فبراير 2025)، دليل على مدى وحشية هذا المشروع. قُتل هناك 433 مواطنًا أعزل، وجُرح العديد، في ولاية تُعتبر من معاقل حزب الأمة، وكأن الرسالة واضحة: من انتخبتموهم لعقود هم أنفسهم الذين يرتكبون المجازر ضدكم، بمباركة زعيم حزب الأمة.
فضل الله برمة، الذي يتزعم الحزب الآن، لا ينشغل بشيء سوى تثبيت دعائم دولة العطاوة المزعومة، وتنفيذ أحلام الجنجويد، غير مدرك أنه كتب بنفسه نهايته السياسية المخزية. لقد تحول إلى الجناح السياسي لمليشيا الجنجويد الدموية، وهو خير مثال على خيانة الأحزاب التقليدية للسودان وشعبه.
العملاء الذين اجتمعوا في نيروبي، في قاعة تفوح منها رائحة الخيانة، كشفوا حقيقتهم منذ اللحظة الأولى. ظهور رقصة المردوم في المؤتمر، وهي الرقصة التي يتباهى بها الجنجويد عندما يحرقون القرى ويغتصبون النساء و يقتلون المواطنين العزل، كان دليلاً دامغًا على أن المجتمعين يسعون بكل جدية إلى تغيير تركيبة السودان الديمغرافية، كما فعلوا في دارفور. ولكنهم، من حيث لا يعلمون، أعلنوا انتحارهم السياسي، لأن الشعب السوداني لن يساوم على وطنه، ولن يتراجع أمام أي مؤامرة، مهما كان حجمها.
الآن، بات واضحًا من الذي خطط لتدمير السودان وقتل شعبه. لم يعد هناك فرق بين الأحزاب التي تدّعي الحياد ومليشيا الدعم السريع، فجميعهم أصبحوا أدوات في يد آل دقلو، يُحرّكونهم كما يشاؤون. لكنهم سيندمون عندما ينهار مشروعهم وتنهار معه أحلامهم بإنشاء دولة العطاوة. فالشعب السوداني قرر أن يضحي بنفسه من أجل وحدة السودان، ولن يكون هناك مستقبل للمرتزقة والعملاء. الجميع سينال جزاءه العادل، والتاريخ لن يرحم الخونة.
