أميمه عبدالله
وكيف لا نبكي طاهر
و كيف لا نحزن
و هل تكفي الدموع بكاء طاهر
و نحن الذين كنا نظن أن من كثرة الأحزان و تفجرها لم يعد بالقلب مساحة إضافية ، و أننا قد اكملنا تمام نصيبنا
من الأحزان و ألم الفقد و تراكم الهموم و مرارة الفراق و تجدد الوداع كل حين
من يثق بالزمان و الدنيا ؟
و بأن للشباب حتما اعواما نضرة تنتظرهم و بناء و مستقبل
كنا نظن أن القلب قد اكتفى بملح الفراق و تشبع
و اننا لسنا كالبحر المالح نجدد ملحنا مع كل مطر
الٱن نجدد الدموع في فقد طاهر و القلب يكاد ان ينفطر
كان ظننا أننا قد أعتدنا على الأحزان
ولم يعد هنالك خبر يوقفنا في محطة البكاء
لولا رحيلك الفاجع
الٱن جاء أوان شكرك
الٱن حان الوقت الذي يجب أن نقول فيه أنك لم تكون كما بقية الشبان في عمرك
جاء سريعا يا طاهر
فنحن أخوة منذ عشرة أيام فقط
و تلك العشرة ما رأيت فيها شابا يسعى في قضاء الحوائج مثلك و كأنها حاجتك
فالناس كانوا عندك سواء
ما كنت سكرتيرا في وزارة بل كنت وجهة لكل طالبي العون ، ليس من معارفك فحسب ، بل منا كلنا
كنت السودان بجراحه و حروبه التي لا تنقطع و نزاعاته التي هدت حيل البلاد
ليست النزاعات وحدها بل بيع المواقف و الأقلام وتضارب المصالح و ضعف النفس و هوى الدنيا كلها يا طاهر قسمت ظهر السودان
كنت ٱهة البلاد التي زرفتها و أنت تحدثنا عن ماسأة الجنينة و خراب الخرطوم
ما كنت تشبههم و انت إبن الثلاثين و التي تبدو على ملامحك
لكن قلبك في اوجاعه و همومه و كأنه قلب رجل تجاوز الستين
لا تتذكر لحظة سعادة في حياتك
عندما سالتك عن سنواتك التي مضت عجزت عن تذكر لحظة فرح
عشرة أيام فقط عمر معرفتنا ، رايتك فيها عن قرب ، ولو تعرف كم كنت سعيدة بحصولي على شقيق اصغر
فعلاقات القرابة لا يلزمها بالضرورة رحم واحد ودم
كنت امازحك
اقول لك يا طاهر خلي توب الكبار الأنت لابسو دا انت لسه ولد صغير اصغر مننا ما تشيل الهم
كنت تقول ضاحكا ، فأنت دائما بشوشا ضاحكا
حتى و العرق
يتصبب منك
تقول لي
يعني اكبر مني بكم سنة ، خمسة سنين يعني شنو الأنا شفتو في الدنيا دي انتي ما شفتيهو
انا زيك في الهم
ذهبت الى ربك شهيدا طاهرا أوقاتك كلها في خدمة الٱخرين ووجهك الباسم و كأنك من رأيت من الدنيا سوءا قط
ذهبت الى ربك شهيد حريق
ما أصعب موتك و البقية
عريس الواجب
و شهيد الوطن كما خالك دكتور خليل فالدم من ذاك النبع
ذهبت إلى ربك و انت لم تشتكي لحظة من رنين هاتفك المتصل
بل كنت دائما ترد و منذ الرنة الأولى
تعالج الامور ، تيسر الطلبات تتحمل النقد و اصوات الٱخرين العالية عليك
لا تنام إلا قليلا
لأن وجع الجنينة و أنينها كان أقوى من سلطان النوم
ليست لأنها الجنينة التي تعرف بل لأن الضحايا فيها كُثر و الظلم فيها عظيم و الحريق فيها موغلا في السواد
تتساوى عندك المدينتين الخرطوم و الجنينة في الحسرة
لم تكن تعمل سكرتيرا فحسب بل كنت منسقا بين كل الأضداد ، والناس قلما ترضى و تشكر يا طاهر
ألم يقل الله تعالى واصفا إيانا و قليل من عبادي شكور
كيف تبكيك العيون يا طاهر وفقدك جلل و كيف حال رفاقك وهم يمرون على باب غرفتك في كل حين يطرقون الباب
لو تخرج لهم ممازحا كعادتك
و كيف حال اوراقك من بعدك و أقلامك
و أولادك الذين طالت مدة فراقهم لك و كنت تحدثنا قبل يومٍ فقط عن مقدار شوقك الى ابنتك التي كان ٱخر عهدك بها لحظة انجابها و قد صارت الٱن في السابعة من عمرها
كيف حال امك و قد سافرت الى ولاية اخرى قبل ساعاتٍ فقط من خبر إعلان سقوط الطائرة و حريق كل ركابها
هل تعرفوا على جثثكم يا ترى ام أن النار شوهتها ؟
و النار يا طاهر لا تمس وجها مرتين
فهنئيا لك الفردوس الأعلى بإذن الله
