سامي عبدالمحسن يكتب “جبريل..جبريل(١)”

جبريل ..جبريل (١)

سامي عبدالمحسن – أستراليا

٨ يوليو ٢٠٢٣

منذ إشتعال الحرب في الخامس عشر من أبريل الماضي بين القوات المسلحة السودانية و قوات الدعم السريع التي تمردت على الأولى بدخولها مطار مروي بشمال السودان في الثالث عشر من أبريل ، كان وزير المالية و التخطيط الإقتصادي د.جبريل ابراهيم الذي يرأس القطاع الإقتصادي في السودان يقوم بعمل دؤوب لمحاولة إحتواء الحرب في السودان عبر مبادرة كانت قد بدأت فعلاً بلقاء الرئيس البرهان و حميدتي منذ أشهر ، و كان حديث السيد الوزير بالحرف لكليهما أن أية طلقه تخرج من أيٍّ من الطرفين ستجر البلاد لدمار و خراب لا يحمد عقباه .

و في لقائاته بالرجلين في مارس و أبريل كان يبدء حديثه دائماً بالهشاشه الأمنيه و السياسيه التي تعاني منها البلاد منذ ٢٠١٩ ، و أن وضع الإنتقال لا تنقصه تصعيدات عسكرية ضمن المنظومة العسكرية ، و أنه من الصعب جداً إحتواء أي تحرك عسكري من كلا الطرفين.

لم يستمع الطرفين لنصائح رئيس حركة العدل و المساواة السودانية و الذي خاض الحرب ضد الدولة السودانية لما يقارب العقدين من الزمان ،و فقد فيها منطقته التي ولد و ترعرع فيها” الطينة “و التي تم مسحها من على وجه الأرض في العام ٢٠٠٣ و هُجِّر أهلها إلي معسكر دوقوبا بدولة تشاد ، و أكثر من ذلك فقد شقيقيه الأكبر و الأصغر ، الأكبر المهندس أبوبكر إبراهيم و الأصغر د.خليل إبراهيم قائد و مؤسس حركة العدل والمساواة السودانية الذي قاد قواته في عملية جريئة في العاشر من مايو ٢٠٠٨ و التي موضعت الحركة سياسياً في موقف جديد جيوسياسياً أيًّا كانت التحليلات العسكرية و السياسية عن عملية الذراع الطويل أو عملية أمدرمان .

د.جبريل جاء إلي وزارة المالية في ظرف يمكن وصفه بالأسوأ إقتصاديًّا في السودان حيث يعاني السودان من مديونيات مُرحّله منذ عقودٍ خمس وصلت ما يقارب ال٦٥ مليار دولار منها مديونيات بدأت بمليون دولار و تضخمت بالغرامات التمويلية لتصل مئات الملايين من الدولارات و في بعض الأحيان المليارات ، الكويت على سبيل المثال دينها على السودان تضخم عشرات المرات ليصل إلي حوالي ١٢ مليار دولار بدأت في بدايات ثمانينيات القرن الماضي في عهد الرئيس الراحل جعفر نميري .

د.إبراهيم البدوي أول وزير مالية في حكومة الفترة الإنتقالية التي ترأسها حمدوك قال أن خزانة الدولة شبه فارغة و نحتاج إلي مجهود ضخم لإصلاح النظام المالي و الإقتصادي بالبلاد ، و في عدة مقابلات بُثّت على تلفزيون السودان الرسمي أيّد البدوي خطة الإصلاح الإقتصادي المعروفة بإسم “روشتة البنك الدولي” ، إلا أن الصراع القوي داخل الحرية و التغيير تحديداً اللجنة الإقتصادية عرقل البدوي و أخاف رئيس الوزراء السابق د.عبدالله حمدوك من مغبة الذهاب في السير في ذلك الإتجاه ، و كان صقور الشيوعي باللجنة الإقتصادية يعارضون خطوات حمدوك و البدوي تجاه مسألة الإقتصاد ، و كان صدقي كبلو أبرزهم و الذي ظل يعارض الإصلاح الإقتصادي إلي اللحظة .

حمدوك و مجموعته المسماة بالمزرعة كانت تؤمن بأنه لا مفر من تطبيق روشتة البنك الدولي و التي ستقود لفتح علاقات إقتصادية دولية مع السودان و لذلك دفعوا البدوي للمُضي قُدماً في تنفيذ الإصلاحات الإقتصادية ، إلا أن البدوي إستمر في تردده و كما يقال في المثل الشعبي السوداني “رِجِل قدام و رِجِل ورا ” إلي أن تم سلام جوبا و تم تغيير حقيبة المالية لصالح العدل و المساواة و تبوء رئيسها الوزارة و شرع مباشرةً قي تنفيذ سياسة حكومة حمدوك و أعلن الإصلاحات و نفذها و بدء في مفاوضات جادة مع الدائنين في مسألة ديون السودان و جدولتها و من ثم “تجسير الديون”، وواجه منذُ ذاك الحين حملة شرسة من اليسار و اليمين و إزدادت إستعاراً عقب قرارات الإجراءات التصحيحية في الخامس و العشرين من أكتوبر ٢٠٢١ و التي حلّ فيها البرهان جُلّ الوزارات فيما عدا وزارات مسار دارفور إتفاقية جوبا ، و أستمر د.جبريل في المفاوضات التي إستعصت مع البنك الدولي و صندوق النقد الدولي بسبب ما أعتبره المجتمع الدولي “إنقلاب” على السلطة المدنية و تعطيل التحول الديموقراطي من قبل رئيس مجلس السيادة .

نعود لتمرد الدعم السريع على القوات المسلحة السودانية و الذي منذ الضربة الأولى في الخرطوم إنتفى دولاب العمل الحكومي ، ليس هذا فقط بل إختفت أيضاً قوات الشرطة السودانية من الساحه و أمتدت الحرب خلال شهر لتصل دارفور و تحديدا الجنينه .

د.جبريل الذي نصح قائد الدعم السريع قبل الحرب بشهر في مأدبة عشاء بألا يسير في التصعيد الذي يسير فيه ، و قال له بالحرف ستفقد كل شي و سيعود السودان لمربع صفر ، الحوار أفضل ! لم يلتفت قائد الدعم السريع للمحاولات المكررة سواءاً من د.جبريل شخصياً أو عن طريق المبادرة التي بادر فيها القادة الثلاث بالكفاح المسلح (جبريل ، مني ، عقار) و أستمر في الحشد و التصعيد . جبريل كان يعلم جيداً ما هي الحرب و مآلاتها ، و يعلم جيداً الأجواء النفسية التي تحيط بصُناع قرار الحرب و لذلك أكثر من المحاولات جيئةً و ذهاباً بين مكتبي البرهان و حميدتي بصمت و سرية كاملة ، و لكن المحصلة كانت كما هو الحال الآن ، فالمخطط أكبر من قائد قوات الدعم السريع حميدتي و هو ليس سوى مُنفِّذ لمشروع و مخطط جيوسياسي تم تفويض دول بعينها و مراكز قوى محليه و دولية بتنفيذه ، و لا زال المخطط مستمر في ظل عدم توحد قوي الجبهة الداخلية السودانية التي من المفترض أن تسعى لتوحيد صوت السودانيين لمجابهة الخطر الحالي و القادم ، و هي الهشاشة الإجتماعية التي تجعل تبدل المواقف بين الكيانات الإجتماعية سيد الموقف و يعتمد على طبيعة المعارك بين القوات المسلحة السودانية و الدعم السريع و نتائجها على الأرض .

ذهب جبريل لبورتسودان في نهاية شهر أبريل الماضي ، و كان صاحب فكرة خلق لجنة تدير العمل الإنساني و دولاب ما تبقى من وحدات الدولة الفاعلة من ثغر البلاد على البحر الأحمر ، ووجدت فكرته كل ترحاب من رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أوّل عبدالفتاح البرهان ، و لحقه بعدها الأستاذ أحمد آدم بخيت وزير التنمية الإجتماعية ثم وزير الصحة د.هيثم و وزير الأوقاف ،و كل هؤلاء جاءوا على فترات مختلفة إلي أن تم تفعيل عمل اللجنة و منذ ذاك الحين خلق وزير المالية جواً من التفاعل مع المجتمع الدولي و تحركت المنظمات و الدول الداعمه للسودان للتعامل مع الوضع الإنساني عبر اللجنة الحكومية التي أسسها جبريل ، و شهدت مدينة بورتسودان حراكاً مُكثفاً على غير العادة حتى أن بعض وسائل الإعلام أعلنتها عاصمة إدارية (و ذلك غير صحيح) ، و كل ما يشاهد الآن من عون إنساني كان نتيجة المجهودات المستمرة التي بدءها د.جبريل في مايو الماضي ، و رغم كل الدمار المشاهد الآن إلا أن جبريل و مكتبه بالتعاون مع محافظ بنك السودان الجديد بُرعي إستطاعوا على سبيل المثال حماية النظام المصرفي و الذي أعلن بنك السودان البارحة أنه تمكن من تشغيل نظام المقاصة مع جميع البنوك . كما لا ننسى الدور السياسي المنوط به من قبل د.جبريل و الذي ظل يعمل بنشاط و همة منقطعتي النظير للمحافظة على موقف إعتبره كثيرين أنه خاطئ و لكنه إلتزم بموقف جنّب دارفور نسبياً من مغبة نشوب حرب عرقية شاملة واسعة عابرة للحدود ، و لا ننسى أنه غرّد بعد مقتل خميس أبكر بتغريدة مطالباً الدعم السريع بالكشف عن قتلة خميس إن لم يكن هم الفاعلون .

و لكن تاريخ جبريل الملئ بالتحديات مستمر ، و هنالك حملة منظمة ضد جبريل من عدة جهات تجعل من الرجل مرمى لكل فشل تراكمي في الدولة السودانية ، و هنالك أيضاً حملات عرقية مبطنة لا تنظر إلي جبريل إلا ك “غرّابي” متفلسف و هذا مردود عليه ، إلا أن الحملات الأخيره إتسمت بمتلازمتي سذاجة و غباء أوغلت في الإستخفاف بعقل المواطن السوداني ، كالأوراق المزورة التي تخرج من مكتبه و يتم تعديلها بتطبيقات “فوتوشوب” و يتم تزييف القرارات لخلق “ترند” ضد جبريل و ما هي إلا سويعات و تخرج المالية بنفي الحديث كتسليم مالك عقار خمسة ملايين دولار مصاريف سفر و التي لم تنطلي حتى على معارضي جبريل و رد عليها مستخدوا التواصل الإجتماعي عبر عدة منشورات . و من المؤكد أن هذه التلفيقات حول جبريل لن تتوقف ، لأنه يعمل في صمت و ثبات و كما أجاب هو لصحفيين بهامش أحدى المؤتمرات الصحفية بمنبر سونا ، كيف تتحمل ما يكتب عنك ، فرد نحن نعمل فقط و وزارة المالية وزارة فنيّه و لذلك “جِلِدنا تخين” .

النموذج الذي قام جبريل بتصميمه ببورتسودان لإدارة أزمات البلاد نموذج معقد في ظل الحرب الدائرة ، و لا يمكن لحكومة ان تستمر في هكذا ظروف ، إلا أن اللجنة الإنسانية تعمل في ظل الظروف المذكورة ، و لذلك القوى السياسية التي تنوي تدمير البلاد لن تتوقف عن مهاجمة جبريل الذي دائماً ما يأخذ زمام المبادرة لحماية الوطن و يأتي بأفكار ويتسامى فوق الضغائن و ينظر للأمام ، و لا يمكن لعاقل أن ينكر أن من قام بالخطوة التي ترددت فيها حكومة حمدوك خوفاً من شلة كبلو هو جبريل إبراهيم و الذي تحمل عبء ذلك هو و حركته .

الآن أحد نتائج عمل جبريل التي ينتظرها كثير من السودانيين العالقين بحلفا و العديد من المدن الحدودية ، مصنع الجوازات الذي سيبدأ العمل فعلاً خلال أيام و من المتوقع أن تحل عدة إشكالات للمواطنين وخصوصا الذين يعانون من أمراض و ظروف صحية معقده و في حوجة للسفر ، أما موضوع المرتبات فهو يحتاج لوحدة حسابات و إستقرار كامل لموظفي الحسابات بالوزارة و بنك السودان بالإضافة للعامل الأهم و هو المال في حد ذاته و الذي يذهب جله في دعم القوات المسلحة التي تحارب تمرد قوات الدعم السريع المغطاة بحواضن سياسية و مشروع جيوسياسي عريض .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *