د.مصطفى محمد علي حسين
ارسل الي صديق على وجه السرعة وممازحا، مقالة كتبها التعايشي موسومة ب ” خواطر حول حروب الدولة السودانية وحرب الخامس عشر من أبريل” تذكرنا نقاش مطول عن خلاصة كونتها عن التعايشي وهو حينها عضو بالمجلس السيادي، خلصت حينها أنه أضعف حلقات الثورة وسيولي الدبر يوم تكالب الأعداء على الثورة ، يومها كنا نشاهد خطاب جمعه مع محمد حمدان دقلو، أيام الشراكة المخملية بين العسكر والمدنيين، كان حدثا عاديا ولايوجد مايثير الاستغراب حتى انبرى عضو السيادي، بإخلاص شديد، ليصلح الميكرفون للسيد” القائد ” ليواصل حديثه .
من يقرأ فرويد كثيرًا، سيعرف أن موقف التعايشي يعبر عن واحدة من أشهر كلاسيكيات التحليل النفسي ، الزلة الفرويدية” Freudian slip ” ، تداخل قوي مدفوع من مجاهيل النفس البعيدة تترجم في الوعي، تنتج و تترجم فعل أو قول، كان عضو السيادي جنجويديا في لا وعيه ، لم أستطع ان أثبت شيئا – لا أحد في هذه الأيام يستطيع أن يثبت شيئا منطلقًا من فرويد – لكن الفترة الإنتقالية بعهدها الحمدوكي ، تغري أي باحث في علم النفس السياسي لرصد طيف واسع من الساسة النرجسيين والعصابيين، المجانيين ، سفاحين يتجولون كالحملان الوديعة ،وفئران تستأسد وتحاول أن تزأر باسم الثورة.
لم يفسح المجال لأي شك بعد أن كتب مقاله الأخير ،فقد إختار موقعه غير مأسوف عليه ، تقمص دور محامي الشيطان ليس بأقل فداحة من إنتهاكات المليشيا في الأحياء والمدن، فسقط سقوطا مريعا ،سقوطاً أخلاقيًّا و قيمي.
ذكر في مقالته أن الدعم السريع، تكوّن بسب التهميش والتفاوت الطبقي، ولكنه كذبٌ بواح وضحك على أشلاء المهمشين و إساءة لقضيتهم، فالدعم السريع مليشيا أنتجتها الدولة القديمة بجيشها الطبقي ، تم تأسيسه بداية ليضرب ثورات المهمشين، مهمشي القرى والأطراف الذين لم تترك لهم الدولة القديمة خيارات سوى المقاومة، يريد التعايشي أن يُحرِّف التاريخ على مرأى ومسمع الجميع، أراد أن يقفز بفزلكة لغوية مطولة ومتكاسلة ذهنيا بأن يجعل الجنجويد محررين ومبشرين بسودان جديد، بل إزداد كذبا بواحا أن الدعم السريع قد تكون خارج حواضن الدولة الموروثة، و لايخفى على أحد أن هذه المليشيا قد تكونت بقرار من هذه الدولة الموروثة التي يتحدث عنها التعايشي .
واصل عضو مجلس السيادة السابق، وأحد مهندسي الجنجوقراطية ، على استحياء وخسة ولؤم عبر أسطر عديدة تماهيه مع القائد ، حيثُ أشار بأن حميدتي قد يتوب عن أفعاله السابقة وتاريخه الأسود ويلعب دور المصلح في السودان، إستخدم موعظة إنجيلية شهيرة تعرف ب Damascus Moment ، عن رجل كان يقوم بأعمال اضطهاد ضد المسيحيين، ولكن لحظة إلهام فارقة حلّت به وهو في طريقه إلى دمشق، حل به النور الإلهي وقد أصبح بعد ذلك داعية تسامح ، هكذا ببساطة، في مارس الماضي نشر فريد اولش مقال يحمل نفس المعنى والتعبير والاتجاه ، بروباغندا ودعاية سياسية ، يقف خلفها عملاء كثر في المنطقة، حياكة تحاول أن تهندس المنطقة للمستعمرين بوكلاء جدد، التعايشي يقول لنا بأن حميدتي بجنجويده وحلفاءه من إرتكاب المجازر والتصفيات العرقية والتهجير، سيعود حملا وديعا يوزع علينا الديمقراطية والحريات. طبعا ، يتحرك التعايشي هذه الأيام في عدة عواصم أفريقية، برفقة أعوان المليشيا وأذرعها السياسية ، حافرين بالأظفر والناب لإنتاج مشهد سياسي جديد، يستطيع بعدها أن يتحدث حميدتي إلى الجماهير عبر الميكرفون مُجدداً ويبيع السراب.
لم اتبين بعد، مدى صحة المقولة المنسوبة إلى لينين، عن قابلية المثقف للخيانة، هل هو فعلا حديث لينين أم لا ، التعايشي ليس مثقفا، ولاينبغي له ، لكنه تعبير عن حالة عامة ، حالة تسلق وتسنم الثورة وضربها في الخاصرة، صعد الرجل إلى أكبر مواقع البلاد حساسية، عبر وسم انتشر في الوسائط معروف #التعايشي_للسيادي، لكن لحكمة الثورة البليغة، فقد إنتهى نجمه السياسي في إحدى طرقات مدينة بحري في إحدى المواكب، وهو يتحدث ويبيع اللغة والهراء كعادته، لجمع من الشباب الغاضب ، ظهر فتىً صغير ، من إحدى الطرقات وصاح في بقية الرفاق ” لو قعدنا للزول ده الموكب حيفوتنا” ، في واحدة من أكثر لقطات السياسية السودانية تراجيدية، أفل نجمه، وانتهى بريقه الزائف.
خاتمة
استعان التعايشي بالمواعظ و حِكم الإنجيل ليقنعنا بجنة يحرسها الجنجويد ، أرغب ان أنقل اليه موعظة يعرفها العرب، واترك له الأمر ليستشف الخلاصة، يروى في التاريخ ، أنّ أول من مارس العمالة عند العرب، هي النّضيرة بنت الضيزن، ابنة ملك الحضر، و هي مدينة حصينة تقع آثارها اليوم بالقرب من الموصل. حين حاصر الملك الساساني شاهبور الأوّل عاصمة الضّيزن، اتّصلت به النّضيرة سرّاً، وعرضت أن تدلّه على مدخلٍ للمدينة مقابل أن يتزوّجها ويجعلها ملكة. قام شاهبور فعلاً باقتحام الحضر مستعيناً بإرشادات الأميرة، وقتل أمراء المدينة وسكانها ممن قاوم، و نكّل بهم ، باستثناء النّضيرة التي وفى بوعده لها وتزوّجها. ولكن، في يوم الزفاف في القصر الملكي، اكتشف شاهبور مدى العطف والدّلال اللذين حظيت بهما الأميرة من أهلها، قبل أن تخونهم وتودي بهم إلى الهلاك، فغضب عليها غضباً شديداً، حتّى أمر بإعدامها.
