صلاح يعقوب – كاتب و محلل سياسي
ليست مأساة اليمن في فقره، ولا في تركيبته الاجتماعية، ولا حتى في صراعاته الداخلية وحدها، بل في كونه صار ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين الحلفاء قبل الخصوم. وهنا، لا يمكن الهروب من الحقيقة: ما جرى ويجري في اليمن هو أحد أكثر نماذج الفشل السياسي العربي فداحة، لأن ثمنه لم يُدفع في قصور القرار، بل في حياة الناس، وفي جغرافيا الدولة، وفي معنى السيادة ذاته.
في بدايات الحرب، بدا المشهد وكأنه تحالف متماسك بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة. خطاب واحد، أهداف معلنة، وعدو مشترك. لكن السنوات كشفت أن ما جرى لم يكن تحالفًا بالمعنى الحقيقي، بل تقاطُع مصالح مؤقتة سرعان ما تحوّل إلى مسارين متناقضين، أحدهما واضح منذ البداية، والآخر ظل مترددًا حتى فوات الأوان.
من شريك إلى عبء
الإمارات دخلت اليمن برؤية محددة: السيطرة على جنوبه، وموانئه، وسواحله، وبناء نفوذ دائم لا يرتبط بوجود الدولة اليمنية ولا باستقرارها. لم يكن هذا خافيًا، بل جرى تنفيذه بخطوات متراكمة، سياسية وعسكرية وأمنية، انتهت بفرض أمر واقع كامل في الجنوب.
في المقابل، دخلت السعودية الحرب وهي تحمل تصوّرًا تقليديًا: يمن موحّد، جار مستقر، وسلطة مركزية يمكن التفاهم معها. غير أن هذا التصوّر ظل نظريًا، لم يُترجم إلى سياسة حازمة على الأرض، بينما كانت الوقائع تُصاغ بسرعة وبلا انتظار.
عيدروس الزبيدي… تعريف لا بد منه
عندما نتحدث عن الجنوب، لا يمكن تجاوز عيدروس الزبيدي، رئيس ما يُسمّى بالمجلس الانتقالي الجنوبي. الزبيدي ليس مجرد قائد محلي، بل نتاج مباشر للدعم الإماراتي، سياسيًا وعسكريًا وإعلاميًا. رجل قدّم نفسه منذ وقت مبكر بوصفه ممثل مشروع انفصالي واضح، ولم يُخفِ استعداده لبناء علاقات مع إسرائيل حتى قبل أن يمتلك كيانًا سياسيًا معترفًا به أو دولة قائمة.
هذا ليس تفصيلاً ثانويًا، بل مؤشر على طبيعة المشروع: جنوب منفصل، مرتهن خارجيًا، يُدار كمنطقة نفوذ لا كجزء من دولة.
ماذا خسرت السعودية؟
الخسارة السعودية في اليمن ليست معنوية فقط، بل جيوسياسية بامتياز.
الشمال بات تحت سيطرة الحوثيين المرتبطين بإيران.
الجنوب خضع عمليًا لنفوذ إماراتي مباشر.
السلطة الشرعية تحوّلت إلى كيان بلا أرض، بلا موارد، بلا مؤسسات فاعلة.
حتى الجغرافيا التي كانت تُعد عمقًا استراتيجيًا للمملكة، من المهرة إلى حضرموت، أصبحت مناطق رمادية، تُدار عبر تشكيلات مسلحة لا تدين بالولاء للدولة اليمنية ولا تراعي حسابات الأمن السعودي طويل الأمد.
السؤال الجوهري هنا: ما الذي بقي للسعودية من هذه الحرب؟
لا نصر، ولا شريك مستقر، ولا يمن موحد يمكن الرهان عليه.
اليمن ليس ملفًا… بل إنذار
الخطأ الأكبر هو التعامل مع اليمن كملف يمكن احتواؤه أو تجميده. اليمن مرآة. ما يجري فيه يتكرّر بصور مختلفة في السودان، وليبيا، والصومال. النمط واحد: إضعاف الدول الكبيرة، تفكيكها إلى كيانات أصغر، يسهل التحكم بها، وتُفقد قدرتها على تشكيل ثقل إقليمي مستقل.
وهنا يظهر البُعد الأخطر: الارتباط المتزايد بين بعض السياسات العربية والمشروع الإسرائيلي في المنطقة. ليس من باب الشعارات، بل من باب الوقائع: قواعد، موانئ، نفوذ أمني، وشبكات مصالح تمتد من القرن الإفريقي إلى جنوب الجزيرة العربية.
لماذا تأخرت المواجهة؟
الخلاف السعودي الإماراتي ليس وليد اللحظة. هو خلاف قديم، له جذور في السياسة والاقتصاد والنفوذ الإقليمي. لكن إدارة هذا الخلاف ظلّت مؤجلة، مؤطّرة بالصمت والمجاملات، إلى أن بلغ النفوذ الإماراتي في اليمن حدًا لم يعد يمكن تجاهله.
السعودية، المنشغلة بإعادة ترتيب الداخل وتثبيت معادلات الحكم الجديدة، اختارت التريّث. الإمارات، على العكس، استثمرت الوقت، وبنت وقائع لا تنتظر موافقة أحد.
وأين اليمنيون؟
لا يمكن إعفاء الداخل اليمني من المسؤولية. غياب مشروع وطني جامع، وتفكك القوى السياسية، والارتهان المفرط للخارج، كل ذلك جعل اليمن أرضًا سهلة للتدخل. بلد بهذا التاريخ والعمق السكاني والجغرافي لا يُفكك بهذه السهولة إلا إذا كانت بنيته الداخلية هشّة.
الرهان على الخارج، أيًا كان هذا الخارج، أثبت فشله. لا السعودية ولا غيرها يمكن أن تبني دولة بدلًا عن أهلها.
اللحظة الأخيرة قبل الانزلاق الكامل
اليوم، أمام السعودية فرصة لإعادة تعريف دورها:
ليس كقوة تدير صراعًا، بل كشريك في بناء دولة.
ليس عبر المليشيات، بل عبر المؤسسات.
ليس بمنطق النفوذ، بل بمنطق الأمن المشترك طويل الأمد.
أما الإمارات، فهي أمام سؤال أكبر من اليمن: هل تريد أن تُسجّل في تاريخ المنطقة كقوة استقرار أم كفاعل تفكيك؟ النفوذ قد يُشترى، لكن الشرعية لا.
اليمن لم يعد ساحة بعيدة. ما يحدث فيه يرتد على الجميع. ومن يظن أن الخرائط تُعاد رسمها بلا كلفة، سيكتشف متأخرًا أن النار التي تبدأ في الأطراف، لا تتوقف عند الحدود.
هذا ما يجب أن يُقال، بوضوح، قبل أن يصبح اليمن الخسارة التي لا يمكن إصلاحها
