نشرت صحيفة The Art Newspaper تقريرًا مطولًا للصحفية سارفي جيرانبايه يوثق شهادات مؤثرة لمديري الآثار وقيّمي المتاحف في السودان، الذين وجدوا أنفسهم في قلب الفوضى والنهب والدمار المستمر منذ اندلاع الحرب الأهلية قبل عامين.
وبحسب التقرير، فإن الحرب بين القوات المسلحة السودانية ومليشيا الدعم السريع تسببت في مقتل عشرات الآلاف وتشريد نحو ١٣ مليون شخص، بينما تعرضت المؤسسات الثقافية والآثار لخسائر جسيمة، حيث نُهبت أهم المتاحف ودُمّرت مواقع أثرية، وسط غياب الدعم الدولي الكافي.
دموع على أنقاض المتحف الوطني
أميمة عبد الرحمن محمد السنوسي، التي كرست حياتها لحماية التراث الثقافي السوداني، وصفت كيف انهار عالمها بعد بدء الحرب عام ٢٠٢٣. بعد أن أجبرت على مغادرة الخرطوم مع أسرتها، اضطرت مع زملائها لنقل مقتنيات متحف الدامر خوفًا من الهجوم. لاحقًا، عندما ظهرت صور المتحف الوطني المنهوب في مارس ٢٠٢٥، تقول: “بكيت طوال اليوم… كان هذا تراثنا جميعًا.”
رغم ظروفها الصحية الصعبة بعد خضوعها لجراحة قلب، وندرة الدواء وغلاء المعيشة، تواصل السنوسي جهودها لتقييم حجم الدمار، لكنها تعترف: “لو أتيحت لي فرصة الرحيل، لما ترددت.”
حماية جبل البركل رغم المخاطر
سامي الأمين، مدير آثار الولاية الشمالية ومدير موقع جبل البركل المدرج ضمن قائمة التراث العالمي، وصف كيف قطع نقاط تفتيش خطيرة لإنقاذ والديه المسنين من الخرطوم. بعد أن نقل أسرته إلى كريمة، اختار البقاء لحماية الموقع، مؤكدًا: “لا يمكنني المغادرة ببساطة… هناك من يجب أن يبقى ليحافظ على النظام.”
رغم الشح المالي بعد توقف منحة أمريكية حيوية، نجح وفريقه في تطبيق تدابير وقائية أساسية، مثل توظيف الحراس وإزالة المخلفات، لكنه حذّر من تفاقم الأخطار مع استمرار النزوح والبناء العشوائي.
مرارة النزوح لحماية مروي
أما محمود سليمان بشير، مدير آثار ولاية نهر النيل والمسؤول عن موقع جزيرة مروي الأثري، فقد اقتحم مسلحون منزله وسرقوا كل شيء، مما اضطره للانتقال إلى كريمة. يعيش اليوم بلا كهرباء تقريبًا، ويعتمد على شقيقه في ألمانيا لدفع إيجار المنزل، بينما يواصل زيارات مروي كلما تمكن من تأمين الوقود والتمويل الضروريين.
قال بشير للصحيفة: “فقدنا كثيرًا من أحلامنا، لكن المجتمع المحلي يعتمد علينا. هذه مسؤوليتي أمام بلدي.”
وخلص التقرير إلى أن هؤلاء الحراس الثقافيين يواصلون عملهم تحت تهديد الانهيار الكامل للمواقع الأثرية، فيما تبقى وعود المساعدة مجرد حبر على ورق.
