يوسف حسين نور – كاتب و محلل سياسي
العنصرية سلوكٌ منحرف، بل هي اعتداء على الآخر؛ مرضٌ سقيم في عقول الجهلاء، ولعنةٌ أخلاقيةٌ تصيب كل من يمارسها أو يبررها. وهي إعلانُ فشلٍ في فهم معنى الإنسانية ذاتها. فالكبرياء الزائف، والتكبر، وادعاء التفوق العرقي أو الجهوي، ليست سوى أعراضٍ لمجتمعاتٍ لم تكتمل فيها قيم العدالة والمعرفة.
منذ فجر الخليقة، قُدِّم لنا أول درسٍ في خطورة هذا المرض: حين رفض إبليس الامتثال لأمر الله، متذرعًا بأصل الخلقة. كانت تلك أول صيغةٍ للعنصرية في التاريخ: تفضيل قائم على الأصل لا على القيمة الأخلاقية والإنسانية.
جاءت الرسالات السماوية لتقوّم هذا الانحراف. وفي الإسلام، ترسّخ المبدأ الحاسم: “لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى؛ جسدها نموذج سيدنا بلال، الذي تحرر من العبودية ليكون رمزًا للمساواة الإنسانية. وهكذا، فإن كل عنصرية هي خروجٌ صريح عن جوهر الدين والهداية الربانية.
لكن التاريخ الإنساني يثبت أن الجهل حين يتحالف مع السلطة، يتحول إلى كوارث. ففي أوروبا، قادت أوهام “التفوق الآري” التي تبناها أدولف هتلر إلى حربٍ عالميةٍ مدمرة، دفعت البشرية ثمنها ملايين الأرواح.
وفي الولايات المتحدة، فجّرت سياسات الفصل العنصري حربًا أهلية، قبل أن يضع أبراهام لينكولن ودعاة الحقوق المدنية، الأساس القانوني لإنهاء العبودية وترسيخ مفهوم المواطنة المتساوية.
أما في جنوب أفريقيا، فقد أسقط نضال نيلسون مانديلا نظام الفصل العنصري، ليؤكد أن إرادة الشعوب قادرة على هزيمة أبشع أشكال التمييز العنصري.
بعد الحرب العالمية الثانية، أدرك العالم خطورة العنصرية، فتبنّت الدول والمنظمات الدولية منظومات قانونية صارمة لمكافحتها، شملت تجريم التمييز على أساس العرق أو اللون أو الدين أو الجنس، وإدماج قيم المساواة في المناهج، وتعزيز دور المجتمع المدني في حماية الحقوق.
غير أن السودان—للأسف—ظل ساحةً مفتوحةً لهذا المرض. فرغم محاولات مبكرة منذ العهد الاستعماري لوضع تشريعات تحدّ من العبودية والتمييز، إلا أن ضعف الإرادة السياسية للنخب الحاكمة، وتنكر الزعماء الدينيين لقيم الدين، وهشاشة تطبيق القانون، جعلا تلك النصوص حبرًا على ورق. وكانت النتيجة سلسلةً من الكوارث: انقلابات عسكرية، حروب أهلية، وتمردات مسلحة، كثيرٌ منها غذّته خطابات عنصرية صريحة أو مستترة. حرق قرى؛ وقتل الأسرى.
كل هؤلاء المناضلين دعوا إلى نبذ العنصرية عقب حقب مختلفة، منهم (جوزيف لاقو؛ جون قرنق؛ فليب غيوش؛ الدريج؛ داود بولاد؛ خليل إبراهيم؛ عبدالعزيز الحلو؛ عبدالواحد؛ شيبة ضرار؛ موسى أحمد؛ مالك عقار؛ مني أركو… إلخ).
لم تكن العنصرية مجرد انحراف اجتماعي، بل تحولت—في بعض الأحيان—إلى أداة حكم. فبدل أن تكون الدولة حارسًا للمواطنة، أصبحت طرفًا في تكريس التمييز، سواء عبر الخطاب السياسي، أو الممارسات الأمنية، أو التهميش التنموي واللغوي والممارسات اليومية. وقد ساهم ذلك في تعميق الانقسامات، وصولًا إلى انفصال جنوب السودان، وتصاعد النزاعات في دارفور ومناطق أخرى.
حتى ثورة ديسمبر، التي رفعت شعارات الحرية والعدالة والمساواة، لم تسلم من اختبار العنصرية، وإن كانت قد قدّمت وعيًا جديدًا تجلّى في هتافات مثل: “يا عنصري ومغرور… كل البلد دارفور”.
لكن الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 أعادت إنتاج الخطاب العنصري بصورةٍ أكثر فجاجة، حيث استخدمت أطراف الصراع ومناصروها لغةً تُقصي وتُحرّض، في ظل تقاعسٍ رسمي عن حماية كرامة المواطنين.
إن أخطر ما في العنصرية ليس وجودها فحسب، بل تحوّلها إلى ظاهرةٍ بلا رادع. فحين يغيب القانون، أو يُستخدم بشكلٍ انتقائي، تصبح العنصرية “محميةً ضمنًا”، وتتحول من رأيٍ منحرف إلى ممارسةٍ يومية. كما مارسها (قادة الإنقاذ؛ أمير جودة؛ عمسيب حياة عبدالملك؛ طارق كيجاب.. في الشارع أو البيوت… إلخ).
ما العمل… أين الخلاص… كيف؟
أولًا: تشريعات رادعة وواضحة
لا بد من سنّ قوانين تجرّم صراحةً كل أشكال التمييز، مع تعريفات دقيقة وخالية من التأويل، وعقوبات صارمة تطال الأفراد والمؤسسات على حدٍ سواء.
ثانيًا: تفعيل سيادة القانون
القوانين بلا تنفيذ لا قيمة لها. المطلوب قضاء مستقل، وأجهزة عدلية لا تخضع للضغوط السياسية أو الجهوية.
ثالثًا: إصلاح المناهج التربوية
العنصرية تُزرع في العقول منذ الصغر. لذلك يجب إعادة بناء المناهج على أساس قيم المواطنة، والتنوع، وقبول الآخر.
رابعًا: تمكين المجتمع المدني
المنظمات الحقوقية، والإعلام، والمبادرات المجتمعية، يجب أن تكون شريكًا فاعلًا في رصد الانتهاكات، ونشر الوعي، والدفاع عن الضحايا.
خامسًا: خطاب سياسي وأخلاقي مسؤول
لا يمكن محاربة العنصرية بخطابٍ مزدوج. على القيادات السياسية والدينية أن تتبنى موقفًا واضحًا لا لبس فيه ضد كل أشكال التمييز.
إن العنصرية مرض يمكن علاجه، لكنه يحتاج إلى شجاعة الاعتراف والإرادة للتغيير. السودان الواحد المتماسك هو السودان الذي يحترم تنوعه، لا الذي يحاربه.
يا شرفاء بلادي؛ العنصرية ليست قدرًا، بل خيارٌ بشري يمكن تغييره.
ومأثور القول لمانديلا: ((لا أحد يولد كارهًا لآخر بسبب لون بشرته أو خلفيته أو دينه. الناس يتعلمون الكراهية، وإذا كان بإمكانهم تعلم الكراهية، فيمكن تعليمهم الحب))
العنصرية التي تُمارس اليوم في السودان بكل أشكالها؛ خطرٌ وجودي يهدد وحدة السودان واستقرارها. والسودان، بتنوعه الغني، يمكن أن يكون نموذجًا للتعايش، بدلًا من أن يكون ساحةً للصراع.
—والفارق بين الخيارين هو: هل نملك الشجاعة لمواجهة هذا المرض، أم نستمر في التعايش معه حتى يُفكك ما تبقى من الوطن؟
كسرة: حقٌ علينا أن نتساءل متى وكيف يمكن أن يكون السودان نموذجًا للتعايش. إن صيانة كرامة الإنسان تعد شرطًا لبقاء الدولة. لدي قناعة بالتجربة أن وحدة السودان لن تُبنى بالسلاح وحده، بل بالعدالة والمساواة. ذلك هو الحلم الذي مشينا من أجله خُطى.
يا بنو السودان هبوا لنعمل سويًا من أجل مكافحة العنصرية.
حفظ الله السودان أرضًا وشعبًا وقيادة.
فلنجعل السودان وطنًا عظيمًا وقويًا بوحدتنا؛ السودان أولًا.
والله المستعان
